الاثنين، 29 أكتوبر، 2007

العنصرية تحكم مصر


لماذا تحولت مصر من البوتقة التي تنصهر فيها الجنسيات والأعراق والشعوب إلى دولة إقصائية عنصرية يرى شعبها أنه شعب ساميّ ذو دماء زرقاء ووجوه تحيطها هالة التقديس النورانية وأن بقية الشعوب متهمة بإتهامات مختلفة إلى أن يثبت العكس ؟

مآساة أخرى من تراجيديا الواقع المصري المعاصر ترويها وقائع يومية يخجل منها العقل الإنساني الحديث, فقد إستشرت روح الإقصاء ورفض الآخر والعنصرية كأنها المتنفس الوحيد الباقي بعد تزيلنا قائمة الأمم وتخلفنا عن ركب الحضارة ونخر السوس لأعمدة التنوير حتى تهاوت آخذة معها الرُقي والحداثة والتحضر, وبعد ما كانت القاهرة قِبلة المهاجرين ومنارة العلم وواحة العلماء أصبحت تتسم برفض الآخر وتحقيره وإقصاءه, وقد ظهرت تلك الصفات الجديدة في أبهى صورها خلال السنوات الأخيرة, خاصة بعد الهجرة الجماعية للأخوة العراقيين والسودانيين هرباً من ويلات الحرب وعذابات الفتن الدينية والسياسية, وإستقرت الجاليات العراقية في احياء معينة مثل حي السادس من أكتوبر والتجمع الخامس, ومع الإستقرار وتزايد معدلات النزوح والهجرة وتوافر رأس المال ورغبة المهاجرين الجدد في التغلب على كآبة الغربة إفتتحوا سلسلة مطاعم ومخابز ومحال تجارية متععدة الأغراض لتعويض إشتياقهم للوطن, ولكن هيهات, فقد تربص المصريين لإخوانهم الفارين من الموت وأهواله بشتى صنوف الرفض والإقصاء, وظهرت أقاويل من نوع "إنهم السبب في رفع أسعاد العقارات" أو "لماذا يفرضون علينا ثقافتهم من أطعمة أو لهجات ؟" أو "أبنائنا أولى بفرص العمل التي تتاح لهم", ونسوا أو تناسوا خمسة ملايين مصري إستضافتهم العراق الشقيق ووفر لهم فرص العمل المناسبة وبمرتبات أعانتهم على بناء مستقبلهم ووفرت لهم حياة كريمة في أوطانهم فيما بعد, ونسوا أيضاً معاملة الشعب العراقي بالمحبة والإخاء ودمجهم في الجسد العراقي بإختلاط الدماء والأنساب والتجنس, ورغم إختلافنا مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلا أننا لا نستطيع أن ننكر حمايته للمصريين بقانون أصدره يمنع التعرض لهم وحق الشكوى في أي مخفر شرطة عند إساءة معاملتهم بأي شكل, وعندما لجأ المواطن العراقي البسيط لوطنه الثاني مصر لم يجد سوى نكران الجميل وعبس الوجوه والإتهامات المرسلة, ولم يختلف الحال كثيراً بالنسبة للمواطن السوداني, فلاقى من العنصرية ضد بشرته مالم يلاقية أجداده من المستعمر الأجنبي وتجار العبيد الأمريكيين, وصار تجول السوداني في شوارع القاهرة بمثابة مسيرة عذاب يسوعية يتفنن فيها الشباب المصري بإذاقته كافة صنوف السخرية من بشرتة ولغته وعاداته وتقاليده, وأصبح السوداني مرادف لسوء السلوك وضحالة المكانة والإستعداء الغير مبرر, حتى تجارة الشنطة وبضائع الارصفة التي يتكسبون منها قوت يومهم صارت هدفاً للمضايقات ووسيلة قهر وتعذيب تضاف لقائمة المعاملة السيئة, وليس ببعيد ما حدث في ميدان مصطفى محمود لمجموعة اللاجئين السودانيين الذين إعترضوا وإعتصموا إحتجاجاً على المعاملة الإنسانية التي لاقوها من النظام والشعب المصري معاً, وإذا تناولنا بالتحليل أسباب تلك الظاهرة الجديدة على مجتمعنا ليس تجاه الآخر الخارجي, ولكن أيضاً للآخر الداخلي, سنجد أنها تنحصر في عدة أسباب أدت لتفشيها بتلك الصورة المخجلة لتاريخ وعراقة وسعة صدر مصر على مر آلاف السنين :

1 – شعور المواطن المصري بالمهانة الدائمة داخل دولتة عن طريق النظام الحكومي من شرطة وموظفين أو بسبب التقسيم الطبقي ذو التفاوت الرهيب الذي قلب المعايير وجعل السيطرة والقوة والإستحواذ على الفرص في يد فئة لا تتعدى ال 10% في مقابل أغلبية منسحقة تحت نير الفقر تعاني ويلات الإضطهاد والتفرقة وضياع الأحلام والإحباط واليأس والإكتئاب, أما خارج دولة فيعاني المصري من سوء المعاملة والعنصرية والإهمال والإستهانة سواء من جانب الشعب المستضيف إذا كان عربياً شقيقاً أو من سفاراته في دول العالم المختلفة, ولولا هوان المصري على حكومته ما عاملته شعوب الأرض وخاصة الخليجية منها هذه المعاملة الغير كريمة على الإطلاق, كل تلك العوامل أدت في النهاية لأن يعامل المصري الأجنبي في دولته بنفس القدر من الكراهية والإستعلاء الذي يعامل به داخلها وخارجها, كذلك وجدها فرصة سانحة للرفع من شأنه الذي تحقّر كثيراً من أبناء وطنه قبل أبناء الأوطان الأخرى.

2 – وجود الأجنبي في مصر فرصة لتعليق كافة مشاكل الشعب المصري وحكومته سواء إقتصادية أو إجتماعية على شماعة "إنها أخطاء الغير وليست أخطائنا", وتتجلى تلك الظاهرة بوضوح في أزمة العقارات الأخيرة, فبدلاً من توجية الإتهامات نحو الشركات التي إحتكرت الأسمنت أو صناعة الحديد التي تحتكرها شركة بعينها مما أدى إلى رفع سعر كلاً من المنتجين إرتفاعات متتالية ومتصاعدة أثقلت كاهل السوق العقاري وضاعفت من أسعار الشقق والعقارات إتجهت الإتهامات دون أي أدلة على اللاجئين العراقيين الذين يُتَهمون بأنهم السبب الرئيسي في تلك الإرتفاعات بقدرتهم على الشراء بأسعار أعلى من المشتري المصري, وينسى أصحاب الإتهامات المرسلة أن تركز الشراء كان في عدة أحياء قاهرية بعينها وليس على مستوى الجمهورية بأكملها, وهو ما قد يرفع الأسعار في تلك المناطق فقط وليس على السوق العقاري المصري بأكمله.

3 – حالة رفض الآخر الناتجة عن الجهل بأبسط أصول الديموقراطية والحرية المدنية وحقوق الإنسان, وهي نتيجة طبيعية لتعليم سيء وغياب ديموقراطي في الحياة السياسية وتطرف ديني يلغي الآخر وينتهز أي فرصة للإقصاء والتفرقة والتكفير في أحيان كثيرة, حالة رفض الآخر لا تقف عند حد الآخر الأجنبي, ولكنها تمتد للآخر الديني والمذهبي والطائفي, وهو ما حدث بالضبط مع الشيعة العراقيين والمسيحيين السودانيين, وهو أيضاً ما زاد من معاناتهم وتزايد معدلات كراهياتهم, وهو ما يذكّرني بصديق كان يعاني دوماً من مشكلة لا حل لها, فإلى جانب كونه مسيحي الديانة فهو شيوعي الإتجاه أيضاً, ودوماً كان يردد مقولة أنه مكروه على جميع الأصعدة سواء من الناحية الدينية أو السياسية, ولو تحلى المجتمع ببعض الصفات الديموقراطية الإنسانية من قبول للآخر والإعتراف به بدلاً من سياسة قتل المرتد وتدمير المعارضة وتخوين من يقول رأياً مخالفاً لما وصلنا لهذا الدرك العميق من الكراهية والبغض والفردية العقيمة.

هناك تعليقان (2):

اجندا حمرا يقول...

عزيزي
فعلا بقت حاجه محزنه
اللي بيختلف معانا مش بنكون طايقنه و بنقول اللي كان بيعمله هتلر غلط و دلوقتي بيعمله حاجات مماثله له
اختلاف في الدين العقيده او الميول ايان كانت بتخالينا اعداء مع غيرنا

دايما بسأل نفسي السؤال ده ايه اللي يمنع اننا نختلف و نحترم بعض؟

تحياتي علي العرض المميز للموضوع و في انتظار موضوعاتك القادمه

العقل اولاً يقول...

من الآخر, مابقيناش طايقين لا نفسنا ولا غيرنا على جميع الأصعدة..

اشكر ردك الكريم يا صديقة