الأربعاء، 7 أكتوبر، 2009

لتوضيح ماهية العلمانية

يختلط الأمر على الكثيرين ممن يهاجمون العلمانية بين كونها سياسة داخلية تخص مواطني الدولة وعلاقتهم بالهيكل الإداري المسمى بالحكومة وبين سياسات الدولة الخارجية التي تحددها ظروف وملابسات عديدة لا علاقة لها بالعلمانية من قريب أو بعيد أهمها العلاقات دبلوماسية ومصالح الدولة العليا والأمن القومي...كذلك يتم إتهام العلمانية من مناهضيها بمحاربة الدين والسعي لإنهاؤه والتضييق على المتدينيين...وهو الهجوم الذي يحدث أحياناً لسوء فهم أو جهل أو لمجرد الهجوم...وفي هذا المقال أوضح بعض النقاط لتوضيح حقيقة علاقة العلمانية بالسياسات الخارجية وعلاقتها بالدين علني أزيل بعض من سوء الفهم...ولنبدأ:

1- العلمانية تعني في أبسط مفاهميها فصل الدين كإعتقاد شخصي يخص الإنسان كفرد وبين الدولة كإطار عام يضم مواطنين يحملون جنسية الدولة بإختلاف أديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم...الفصل هنا لا يعني المنع...فكثيرون يخلطون بين الفصل التشريعي والقانوني والإداري للدين عن الدولة وبين منع الإعتقاد بالدين عموماً...الدولة العلمانية تضع الدين من ضمن أهم مبادىء الحرية الشخصية وتعتبر المساس بعلاقة الإنسان بربه جريمة إلا إذا تخطت الحاجز الفردي وأصبحت وسيلة لإنتهاك خصوصيات الآخرين...وقتها يتم تطبيق القانون بدعوى إنتهاك حرية الغير والإعتداء عليه...وهو ما يطبق أيضاً على من ينتهكون حرية المتدين في ممارسة شعائر وطقوس دينه...لذا نرى من خلال ما سبق أن الدين يظل مصان ومحفوظ ولا مساس به للمتدين وتبقى الدولة هي الأرض المحايدة التي تحكم بين مواطنيها دون تحيز على أساس ديني أو عرقي او جنسي.
2- الدولة العلمانية تهتم في المقام الأول بالسياسات الداخلية التي تخص مواطنيها...وهي تنظيم علاقتهم بالدولة على أساس مدني بحت وترك الشأن الديني للمواطن كجزء من حريته الشخصية شريطة ألا يتعدى بواسطته على حرية الآخرين...تعطي الدولة العلمانية الحرية كامله للمؤسسات الدينية بكافة أشكالها دون وصاية مباشرة منها على أدائها...وهو ما يعني عدم إستغلال السلطة للدين في تسيير أمور الدولة أو في تحقيق مصالحها الداخلية...الأصل في السياسة الداخلية للدولة المدنية هو الحياد والعدالة والمساواة في علاقتها بالمواطنين دون النظر لأي إعتبارات أخرى...أما السياسة الخارجية للدولة فتحددها أسس وقواعد عديدة أهمها البراجماتية والنفعية وضمان الأمن القومي...وهو ما ليس له علاقة على الإطلاق بالعلمانية...لذا نرى أن النفعية والبراجماتية هي العامل المشترك الأساسي في الدولة الدينية والعلمانية...فكلاهما يرسمان السياسة الخارجية طبقاً لقواعد وأسس متغيرة بناءاً على الواقع وليس طبقاً لنصوص دستورية أو قانونية أو دينية محدده.
3- لا تسمح الدولة العلمانية بإطار واحد يحدد علاقة مواطنيها بالدوله...فهي تسمح كمثال بالزواج المدني إلى جانب الزواج الديني...وتسمح بحرية الإنتقال من دين لآخر أو من مذهب داخل الدين الواحد لآخر أو حتى ترك الدين للادينية دون وصاية او شروط أو عقوبات...وهو ما يسمح بالمرونة في المجتمعات العلمانية وينهي للأبد أي إحتقانات طائفية أو مذهبية بين مواطنيها...والضامن الوحيد هنا هو حيادية الدولة تجاه من يحملون جنسيتها...أما فيما يخص السياسات الخارجية للدولة فلا نجد أنه من ضمن أسس الدولة العلمانية نشر دين أو مذهب أو فكر بعينه...ولا السعي لتغيير معتقدات الدول الأخرى بقوة السلاح او الحصار الإقتصادي أو العلاقات الدبلوماسية...ولا تهتم الدولة العلمانية بتدين الدول المحيطة بها من عدمه.
4- من أهم الأسباب التي دعت لظهور فكرة الدولة الحيادية هي إنحياز الملك أو الرئيس أو الخليفة أو البابا لدين ومذهب بعينه على حساب باقي الأديان والمذاهب الأخرى التي يدين بها مواطني دولته...وهو ما جعل ظهور فكرة تخلي الدولة عن الإنحياز الديني واجبة التطبيق خاصة بعد سلسلة طويلة من النزاعات الطائفية والحروب الأهلية والإحتقانات الدينية أدت لإسالة دماء الملايين من أبناء الوطن الواحد...لذا نرى أنه نادراً ما تكون الدولة العلمانية طرف في نزاع ديني بينها وبين مواطنيها..بل إنها تكون القاضي والحكم بين عندما ينشأ أي خلاف ديني بينهم...ومن هنا تضمن الدولة العلمانية العدل في الحكم بين مواطنيها لحيادها المسبق تجاههم من الناحية الدينية.
5- وفي النهاية نقول أن الحرية الشخصية في الدول العلمانية مضمونه أكثر بمراحل عن الدول الدينية أو التي تخلط المدني بالديني...كذلك يمارس المتدينون حتى المتطرفون منهم كافة شعائرهم وطقوسهم الدينية دون مضايقات أو إتهامات أو صعوبات في الدول ذات التوجه العلماني...بعكس الدول الدينية أو الشبه دينية التي تضيّق الخناق على من لا يدينون بدينها ومذهبها الرسمي بل ويصل الأمر لحد الإعتقالات وأحياناً القتل مع سبق الإصرار والترصد بدعوى مخالفة الدين الرسمي أو الردة أو الهرطقة...وهو ما نراه بكل وضوح في السعودية التي لا تسمح بممارسة كل من هو غير مسلم أو غير سني او غير وهابي (مثال الصوفية) بممارسة شعارهم الدينية وكذلك حقهم في إقامة دور العبادة الخاصه بهم...وتقوم بإعدام من يرتد عن دينه أو يمارس معتقد يدخل تحت بند الوثنية أو الهرطقة...كذلك نرى كل ما سبق في إيران لكن بإختلاف التحيز المذهبي...ونراه في السودان وما حدث في جنوبه تجاه المسيحيين...ورأيناه أيام حكم صدام حسين للعراق وما حدث للشيعة في حلبجه...والأمثلة لا تنتهي على الإنتهاكات التي تحدث في مجال الحرية الشخصية وحقوق الإنسان والحق في الإعتقاد والتفكير في الدول الدينية...حتى أن أغلب اللاجئين الدينيين يهربون من إضطهاد حكّام الدول الدينية إلى الدول العلمانية التي تضمن حرية ممارستهم لدينهم ومعتقدهم بغض النظر عن ماهيته.

الاثنين، 24 أغسطس، 2009

أغبى نظام على وجه الأرض


لم يحظى نظام حكم في تاريخ مصر على هذا القدر من الكراهية الشعبية والدولية مثلما حظى نظام حكم مبارك, وبالطبع لم تأت تلك الكراهية من فراغ, إنما هي نتاج طبيعي لأكثر من ربع قرن إستخدم فيها النظام أدوات غاية في السوء والغباء و(الغشومية) ليصل لأهداف يعلم جيداً أنها سبيله للسيطرة والتحكم والبقاء على رأس السلطة لأطول فترة ممكنة ومع أقل قدر من الخسائر, ومن بينها بالطبع خسارته للشعبية والتأييد, وهو هنا لا يعتبر شعبيتة المحك لإستمراره في الحكم, وإنما تنحصر أُسس إستمراره على سياستين في غاية الأهمية (العصا والجزرة) و(الحديد والنار), وهي السياسات التي أمّنت له أكبر قدر من التحكم في مصائر عباد الله والسيطرة على ارزاقهم والضغط المستمر على أعصابهم عن طريق جعل همهم الأساسي البحث عن لقمة العيش وتربية الأطفال والإنشغال في السطحيات والمعارك الصغيرة التي لا تسمن ولا تغني عن جوع.

وقد نتعجب إذا علمنا أن أكثر أدوات سيطرة النظام على البلاد هي أدوات في الأصل تستخدم من قِبل المستعمرين للحد من الغضب الشعبي ولإذلاله وكسر شوكته وبالطبع لتغييبه ونشر الفُرقة بين كافة طوائفة, وهي السياسات المعروفة منذ فجر تاريخ الإستعمار حتى يومنا هذا, وتجلّت ملامح تلك السياسات واضحة صريحة خلال سبعون عاماً من الإستعمار الإنجليزي لمصر أُستخدمت فيها بقسوة وضراوة وإفراط يشهد عليه تاريخ تلك الحقبة, ولكن الكارثة الحقيقية أن ما نعاصرة الآن فاق الإستعمار الإنجليزي في كل شيء, حتى لتمنى البعض العودة للملكية والإستعمار لأنهم كانوا أرأف حالاً بنا مما يفعله أبناء جلدتنا من تنكيل وإذلال وتحقير وتغييب وإفقار وإقطاع أيضاً.

ونحن الآن على وشك عرض بعض النقاط التي تعتبر أغبى الطرق التي يحكم بها النظام شعبنا المقهور دون إعمال للعقل او حُسن التدبير أو رجاحة الفكر, ولو حاول النظام تحسين بعض تلك النقاط لتغير حال مصر كثيراً عما آلت إليه.

1 – إستخدام القوة الأمنية بإفراط لا مبرر له :

منتصف الثمانينات, عام 1986 على وجه التحديد, إنطلقت جموع قوات الأمن المركزي المقهورة المعذبة المنكل بها إلى شوارع القاهرة, ثائرة غاضبة, تعصف بكل ما تقابله دون تمييز, صيحاتها تهز جدران فنادق الخمس نجوم بشارع الهرم, تحطم واجهات الفنادق, تحرق السيارات وتقطع الطريق, يظهر البؤس والشقاء على ملامحهم السمراء التي أرهقها سوء التغذية والمعاملة القاسية, فيما بعد قرأنا في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة مآساتهم مع وزارة الداخلية والمعاناة والويلات التي لاقوها داخل معسكراتها, لم يصدق الكثيرين آذانهم وكذّبوا أعينهم عندما تجلّت لهم الحقيقة كاملة دون رتوش, الداخلية تعذّب حتى من يخدمها, إنصلح الحال بعض الوقت, ثم عادت ريما لسيرتها المشئومة القديمة, وأصبح ولاء عسكري الأمن المركزي للضابط أقوى من ولائه لأبيه, تخلى الشاب المصري البسيط عن كل عالمه مقابل سريره المعدني الصدىء وضابطه الذي أصبح بمثابة وليّ نعمته والحاكم بأمره, وهنا, هنا فقط, تحركت جموع الأمن المركزي مرة أخرى, ليس لثورة جديدة, وإنما لضرب أي ثورة, أو حتى نوبة غضب قادمة, ضربها في مهدها حتى يضيع كل أمل, وتهدأ كل روح تطالب بحقها في مجتمع أفضل ومستوى معيشة يليق بالإنسان, تحركت جموع الأمن المركزي لتجهض كل صوت ينادي بالحرية والمساواة والعدل, أفرط الضباط في إستخدام غير مبرر للقوة بحيث لم يفرقون بين شاب وشيخ وإمرأة, المساواة الوحيدة التي إعترف بها نظام الحكم هي المساواة في العنف والإهانة لكل أفراد الشعب الغاضبين, والعدل هو توزيع العصيّ على الشعب بالتساوي دون واسطة أو محسوبية.

2 – تقييد حركة الأحزاب الشرعية وإجهاضها :

تفائلت جموع المثقفين والسياسيين عندما وافقت لجنة الأحزاب برئاسة صفوت الشريف (الذي هو أمين أحد الأحزاب المنافسة أيضاً بالمصادفة البحتة) على قيام حزب الغد برئاسة البرلماني القدير الكفء أيمن نور, ولم يصدق الشباب المصري الليبرالي ما حدث, فتوجهوا مندهشين لمقر الحزب بميدان طلعت حرب لينضموا أفواجاً وراء أفواج, وهو ما حدث بالتفصيل في باقي مقار الحزب على مستوى الجمهورية, لم يحرض حزب الغد الشباب على العنف, ولم يطلب منهم عروضاً عسكرية كلاً في جامعته, ولم يجعلهم مطية بغية الوصول لاهدافه الغير معلنة, فقط رفع من مستوى وعيهم السياسي والإجتماعي وحملهم مسئولية توعية الجماهير بالفكر الليبرالي الديموقراطي, مع توالي النجاحات وإنتشار الأعضاء في كل أنحاء الجمهورية شعر رئيس الحزب أنه يمكنه خوض معركة إنتخابية أمام الرئيس في أول إنتخابات رئاسية متعددة المرشحين, فماذا كانت النتيجة ؟ سُجن رئيس الحزب بتهمة أقل ما يقال عنها أنها سياسية, إنقسم الحزب بين رئيس مؤيد للرئيس السابق ورئيس مؤيد للحزب الوطني, توالت إستقالات الأعضاء, تفرق شملهم, أصاب الإنهيار كافة أعمدته, ولم يتبقى من الحزب سوى الإسم ومقر متنازع عليه, وما زاد الطبن بله تدخل الحكومه في إختيار رئيس جديد للحزب موالي لها ! قس ما حدث على بقية الأحزاب, وآخرها حزب الجبهة الديموقراطية الذي لم يتم بعد عامه الأول, هاهو يُخترق وتبدأ الإستقالات المعتادة, بل ويُحاصر من جميع الجهات كالمعتاد, فتُمزق لافتاته بفعل مجهول, وتتعطل مؤتمراته لإجراءات روتينية لا تحدث للحزب الحاكم, ومن جديد ينهار حزب ليبرالي ذو رموز محبوبه فقط لأنه يساعد على رفع مستوى الوعي السياسي والثقافي لشعب يفتقد قيادة واعية تعينه على مواجهة الجهل والتخلف والثقافة الديكتاتورية الرجعية, طبق ما سبق على حزب الجبهه الديموقراطية الوليد, وستجد أنها منهجية ثابته لا يحيد عنها النظام ولا أمل في تغييرها أو التخلي عنها.

3 – العناد في مواجهة مطالب الشعب :

كم من مرات طالبت الجماهير بحقوقها ولم يُستجاب لها ؟ إنها سياسة العناد بكل مساوئها وأخطارها مستقبلاً, إذا طالب الشعب بتحديد فترة الرئاسة قيل له أن بقاء الوضع كما هو عليه أفضل لأننا لا نريد أن نحجر على رأي الشعب, فلماذا نحدد فترة الرئاسة طالما الشعب يريد رئيسه أن يحكم ؟ وإذا نادى الشعب بتعيين نائب للرئيس قيل له ولماذا نحصر خليفة الرئيس في شخص لم يختاره الشعب ؟ كأن من عادة أنظمة الحكم الديكتاتورية أن تترك الإختيار لشعوبها, وإذا طالب القضاة بحقوقهم زاد بطش الدولة بهم, وإذا طالب موظفي الضرائب العقارية بمساواتهم بزملائهم رد عليهم الوزير بمقولة تدل على عقلية حكومته ورئيسه (لا أسمح لأحد بلي ذراعي), وكأن المطالبه بمستوى معيشة آدمي لي ذراع ! إذا أحب الشعب شخصية حكومية, وهي حالة شديدة الندرة, يتم البطش بها فوراً, ولنا في الوزير المحترم أحمد رشدي مثال, ولنا في عبد السلام محجوب الذي تولى وزارة هامشية مثال آخر, ولنا مثال صارخ يتمثل في الوزير المحبوب عمرو موسى الذي وجد نفسه فجأة في مقبرة دبلوماسية لا أمل في إحيائها تسمى جامعة الدول العربية, صورة أخرى من صور عناد النظام الحاكم تتمثل في مقولة الرئيس المشهورة "لن أترك الحكم طالما في قلبي نبض", وهو رد واضح على المتشككين في مدى صلاحية الرئيس لممارسة أعماله الرئاسية مع تقدمه في السن, ولم يملك الرئيس أمام الإحتجاجات المتتالية على منح إبنه صلاحيات لا يستحقها إلا أن يوفر له مناخ شديد المرونة يستمر من خلاله في الصعود أكثر وسحقاً للمعترضين, وتستمر سياسة العناد بضراوة عندما يصر الرئيس على الإبقاء على رموز تحظى بكراهية فوق العادة من قِبل الشعب, نذكر منها يوسف والي وصفوت الشريف وزكريا عزمي وفتحي سرور وكمال الشاذلي وحبيب العادلي, والقائمة تطول, والأكثر مدعاة لليأس والإحباط أن تستمر سياسات النظام الحاكم لأكثر من ربع قرن بنفس الرتابة والملل والروتين, دون تغيير أو تصحيح للمسار أو الإستعانة بخبرات عقول تدور خارج فلك الحزب الحاكم, وكلما إزدادت المطالب بالتغيير كلما تجمد الموقف أكثر.

4 - تجاهل النخبة الثقافية والسياسية من خارج الحزب الحاكم :

في بداية عهد الرئيس حسني مبارك قام بخطوة إعتبرها المثقفين والسياسيين بداية موفقة ومبشرة عندما أفرج عن سجناء 5 سبتمبر 1981 وهم في ذلك الوقت صفوة المجتمع من الساسة والمثقفين والأدباء, ثم أعقب تلك الخطوة الجريئة بنموذج مشرف من الديموقراطية وإحترام الرأي الآخر عندما طلب تنظيم مؤتمر يحضره كافة أطياف المجتمع من جميع التخصصات لبحث كيفية تنظيم مستقبل مصر من جميع النواحي مع تعهد بالإلتزام الكامل بما سيقره المؤتمر من توصيات وخطط وبرامج عمل, بالفعل خطوة رائعة تحسب لسيادة الرئيس في بداية عهده, ولم يكن أكثر المتفائلين يتوقعها وقتها, ولكنها حدثت بالفعل وبدا أن المستقبل يحمل ماهو أكثر بما يدعو للتفاؤل وبداية عهد جديد يستمع فيه الفرعون المصري لمعارضيه ويهتم بآرائهم حتى لو كانت لا تتفق مع آراء بطانته ورجال بلاطه وكهنته, ولكن, ماذا حدث خلال 27 سنة بعد البداية الديموقراطية ؟

إنتهى الحال بنا لحزب حاكم ينبذ كل من يدور خارج فلكه ويهاجمه ويتهمه تاره بالعماله وتاره أخرى بالغباء أو الجهل وتاره ثالثه بالسعي للشهرة على حساب تمثيل دور المعارضه ! وخسر المصريون نتيجة لتلك السياسة الإقصائية المتعنته الكثير من العقول العلمية والإجتماعية والسياسية التي لو أعطاها النظام حقها في الظهور ومشاركته الرأي لتغير وجه مصر الآن بصورة أقل ما يقال عنها أنها مؤثرة, فرأينا كيف إستبعد النظام كل مقترحات عالمنا النوبلى د.أحمد زويل بخصوص جامعة علمية على مستوى راقي تحقق المعادلة الصعبه من تعليم متميز وبسيط التكلفة على الشعب وذو فائدة عظيمة مستقبلاً في مجال البحث العلمي, وإذ فجأة نرى قطر وقد خطفت المشروع بدكتور زويل نفسه لتستفيد من خبرة طردناها بأيدينا, ورأينا كذلك كيف تجاهل الحزب الوطني مقترحات الدكتور أسامه الغزالي حرب فترة ثلاث سنوات كامله بح فيها صوت سياسي محنك في المطالبة بمنظومه سياسية وإقتصادية متوازنة وحقيقية تسعى للتقدم لا للسكون والرجعية, وبعد مماطله وإقصاء وعناد إستقال الرجل المحترم من أعلى لجنة في الجمهورية لينشأ حزبه (الجبهه الديموقراطية) علّه يستطيع من خلاله تحقيق ما فشل في تحقيقه من داخل الحزب الحاكم, ويتواصل مسلسل نزيف الخبرات مع إقصاء متعمد للدكتور فاروق الباز ومشروعه ممر التنمية المصري الذي يعد من أضخم المشاريع التي لو نُفذت لتغيرت طبيعة الحياة في مصر للأبد, والمشروع ببساطة عبارة عن إقامة ممر عرضي للتنمية، يتوازى مع وادي النيل ويرتبط معه بأفرع، وهو ما يشكل ما يسمى بسلم التنمية, ورغم روعة الفكرة وضخامتها وقدرتها على تغيير الواقع الذي لا يبشر بأي خير مستقبلاً إلا أنه تم تجاهل المشروع تماماً ووضعه على رف حكومي مترب تحفه خيوط العنكبوت إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً !

سياسة تجاهل النخبة السابحه خارج الفلك الحزبي ظاهرة قديمة قدم الحياة السياسية المصرية ذاتها, وهي داء أساسه أن لا شيء عبقري ورائع ومبتكر إلا الفرعون وحاشيته, ولا يملك نار المعرفة بشر سوى من يعتلي الكرسي المصري, ولن يعترف البلاط الرئاسي بعبقري إلا لو أعلن ولائه التام كلاماً وفعلاً للفرعون الأعظم.

5 – تأجيج الفتنة الطائفية (سياسة فرق تسد) :

لم تمر فترة حرجة في العلاقات بين عنصري الشعب المصري كمثل تلك الفترة السوداء في تاريخ مصر, كلا الطرفين متحفزين, وكلاهما يسعى لفرض سطوته على الآخر بشتى الطرق, حتى لو من خلال إنتصارات زائفة لا تسمن ولا تغني عن جوع, ولكنها من الناحية الأخرى تسير بالنسيج المصري المتجانس دوماً نحو التمزق والتفسخ, وعندما نتساءل عن السبب الرئيسي الذي قاد قاطرة الوحدة الوطنية نحو هاوية الفتنة فلن تجد سوى سياسة عليا تتحكم في قنوات الإتصال بين الطرفين وبيدها فقط أن تصل بينهما أو تضع سدوداً تزيد من الفُرقة وتزرع الحقد والكراهية في العلاقات بينهما, وليس ببعيد ما حدث في قضية وفاء قسطنطين عندما إنحاز جهاز أمنى رفيع المستوى إلى الجانب المسلم على حساب الجانب المسيحي مما أدى لزيادة الشعور بالغضب من قِبل المسيحيين نحو المسلمين, كذلك ما حدث من تضييق ومطاردة وتشهير بالمواطن محمد حجازي عندما أعلن إعتناقة المسيحية عن إقتناع, وتستمر سياسة الإنحياز لطرف على حساب الآخر في مواقف شتى, أهمها على الإطلاق الدعم غير المشروط من الدوله للأزهر وعلمائه رغم ما يطلقوه من تصريحات غير مسئولة في كثير من الأحيان تكفّر المسيحيين أو تتهمهم بالشرك أو تدعو لقتلهم كما حدث في كتاب شخصية تحسب على الأزهر, وإذا نظرنا للجانب الآخر سنجد أن المسيحيين من جانبهم يتخذون من السلبية والتقوقع على الذات وسيلة لتجنب ما يحدث حولهم من تغيرات يعلمون جيداً أن نتيجتها النهائية لا تبشر بالخير على الإطلاق, ولو واجه كلا الطرفين الآخر بما يعتمل في الصدور ويشغل العقول لتوارت خجلاً الفتنة الطائفية التي تلوح بوادرها في الأفق, ولكن مع غياب كامل من الدولة لحل الأزمات المتتالية, وإنحياز واضح ممثل في حوادث تغيير الديانة والكيل بمكيالين في مواجهتها تزداد الأزمات عمقاً وتتضح أهداف الدولة في شغل الرأي العام المصري بمحاولات مستمرة لإطفاء لهيب التفنة من آن لآخر بدلاً من مواجهة مشكلات وطنية سببها الأول نظام الحكم وحكوماته المتتالية, وهي سياسة قديمة قدم الزمان نفسه, تجعل من التفرقة سلاح للسيطرة, ومن إذكاء نار الحقد والكره وسيلة لإحكام الشعوب بين مطرقة الحكم بالحديد والنار وسندان المشاكل الداخلية التي تقتل أي محاولة للإصلاح, ومن الضروري أن يفهم النظام الحاكم أن مصلحة الأمة فوق أي مصلحة شخصية لحزب أو مجموعة, وأنه عندما تندلع نيران الفتنة سيكون النظام أول ضحاياها, وستندلع الشرارة بيد النظام نفسه الذي ستحترق يداه منها فيما بعد ........

الأربعاء، 22 يوليو، 2009

من أجل "لماذا"!

متى تحولنا من عقول مفكرة مبدعه ناقدة حره إلى عقول مطيعه منساقة كسولة متلقية غير فاعله؟
أذكر أنني كنت دائم السؤال في مرحلة الدراسة الإبتدائية عن كثير من الأمور التي لا يقبلها العقل وكان أغلبها يدور حول الجانب الإنساني في التعامل مع الآخر...وكنت أبدأ سؤالي عادة بالكلمه السحرية...لماذا؟...تعودت أن تكون أسئلتى من نوع لماذا نكره المسيحيين رغم أنهم لم يؤذونا؟ لماذا ننقسم فريقين في حصة التربية الدينية ليذهب المسيحيون خارج فصلنا نصف ساعه يقضونها إما مع أستاذ مسيحي يشرح لهم تعاليم دينهم أو في حوش المدرسة للعب حتى ننتهي نحن من حصتنا الدينية؟ لماذا لا نتعلم جميعاً مبادىء أخلاقية واحده مستمدة من الدين والفلسفة والعادات والتقاليد دون ان نضطر لتفرقة أبناء الوطن لخارج الفصل وداخله تبعاً للأغلبية؟ لماذا نشعر بتلك العظمه التي هي نابعه من أغلبيتنا في حين نشعر بالتضاؤل أمام أقليات أخرى في عالمنا سعت للتفرد فنجحت على الرغم قلة أعدادها في فرض كلمتها وسطوتها وعلمها ومالها على العالم مثل اليهود او إسرائيل تحديداً الآن؟
أسئلتى لم تتجاوز الحد المسموح لها كثيراً لعدم وجود آخرون يسالون نفس الأسئلة...فقط كنت وحدي دوماً...وكانت الألقاب تنهال علي من نوعية المحامي أو المفكر أو الفيلسوف لا لشيء سوى أنني كنت أغرد خارج السرب...وعندما نضجت قليلاً وأدت أسئلتى في مقبرة عليها آلاف الأقفال حتى أشعر أنني جزء من المجتمع لا يختلف عنه...ولا معه أيضاً...وهكذا تحولت من "لماذا" إلى "لا اهتم"...بمرور الوقت بدأت أقرأ من جديد لمفكرين لم يتوقفوا عند حدود المجتمع بل جاهدوا ليصلوا ب"لماذا" لواقع أرحب وأشمل...سألوا لماذا لا نتطور ونستوعب أن العالم من حولنا سيأكلنا إذا لم نفكر؟ لماذا يظل رأي الأغلبية هو الأصح حتى لو كانت تلك الأغلبية لا تعرف القراءة ولا الكتابة؟ لماذا نقدّس رأي كبارنا رغم أنهم بشر مثلنا يخطئون ويصيبون؟ لماذا لا نراجع تراثنا وتاريخنا علنا نجد فيه ما يفيدنا...أو نصحح ما يضرنا...هؤلاء هم من حملوا مشاعل التنوير في سبيل توصيلها لجموع من أبناء وطنهم الذين آثروا على أنفسهم ولفترة طويلة الصمت وتعطيل التفكير وإلغاء العقل في سبيل النقل...تفتحت نواظري على كتابات د.سيد القمني في مرحله متأخرة ندمت على تأخيرها نتيجة خوفي مره وتكاسلي مرات ورغبتي في مسايرة القطيع الفاقد لحاسة التفكير...كنت أرى كتبه تزين مكتبة والدي ولا أجروء على لمسها مخافة أن أحترق من نار المعرفة...ندمت كثيراً على تعطيل مسار العقل حتى إلتهمت كتبه واحد تلو الآخر لأصل في النهاية لنتيجة واحده...

قد أختلف مع بعض كتابات د.سيد القمني...قد أتفق مع أغلبها...لكن بين الإتفاق والإختلاف تظل قيمة المعرفة والنقد والتحليل هي الأسمى...وتظل تلك الشظية الصغيرة التي تعبث في عقولنا من وقت لآخر بغرض التحفيز على المعرفة مضاءة بفعل كتابات لكتّاب مثل د.سيد القمني...قد أختلف مع طه حسين أو فرج فوده أو خليل عبد الكريم...قد نرفض جميعاً آراؤهم بحكم التربية والعادات والتقاليد والعرف المجتمعي...لكن أن نمنعهم من التفكير ونحجر على آراؤهم ونلغي الرأي الآخر حتى لو إختلفنا معه فلن نصل إلا إلى المرحله التي فيها يسود الرأي الأوحد بغض النظر عن صوابه أو خطأه...وهي المرحله التي يتبعها وأد كامل لأي تقدم أو تطور أو معرفه...تلك المرادفات التي لا تتحقق إلا بالإختلاف

قد أختلف معك في الرأي...لكني مستعد للموت في سبيل أن تقول رأيك
فولتير

الثلاثاء، 7 يوليو، 2009

مشاهد تبكيني




قد تكون لإتجاهاتي اليسارية والإشتراكية دور في تأثري ببعض المشاهد...وقد يكون العكس هو الصحيح....

مشهد 1:

طفل عمره تسع سنوات..يرتدي نظارة "قعر كوباية"...يسير ممسكاً بيد والدته متلمساً طريقه بحذر...النظارة مربوطة من منتصفها بخيط بالي نظراً لكسرها من قبل وإفتقاد القدرة على إصلاحها ناهيك عن إبدالها.

مشهد 2:

إنسان بسيط معاق يتحرك بكرسي متهالك أكله الصدأ وأهلكه طول الإستعمال...يقف بإنتظار صديقه الذي سيساعده على تحريك كرسيه لنزول السلالم ثم صعود سلالم أخرى...يجلس بإنتظاره وينظر لمن حوله نظرة أسى ورفض للشفقة...لا يملك سوى الإنتظار

مشهد 3:

طفل من أطفال الشوارع ينام على جانب الطريق ملتحفاً بورق جرائد...تنظر له فتجد آثار المعارك والسموم شظف العيش على جسمه...تسهب النظر وتمعن في التفكير فلا تعرف من المذنب في حق من؟ هل هو من أذنب في حق نفسه أم نحن المذنبون؟

مشهد 4:

شخص لطيف...يتكلم بهدوء...يضحك ملىء شدقية...تنظر له فتجده يقف بصعوبة محاولاً تجنب المساعدة...تمعن النظر فتجده كفيف...تراقب حركاته التي مثلها ببراعة محمود عبد العزيز في رائعة داوود عبد السيد "الكيت كات" أو "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان...تتابعه فتجد معنى الطيبة والتواضع و .....الحرمان أيضاً...تتسائل...عندما يشعر بالعطش هل بإمكانه أن يعلم بوجود كوب الماء البارد بجانبه وحده؟ هل يستطيع التجول بحرية على شاطىء البحر مستمتعاً بمنظر الغروب وتكوينات السحب؟ هل بإمكانه تخيل شكل وجه أطفاله؟

مشهد 5:

طفلة لا تتعدى السبع سنوات...ترتدي إسدال من رأسها لأخمص قدميها...تنظر لصديقاتها وزميلاتها نظرة طفولة بريئة بعدما تعدت المرحله مبكراً دون أن تعيشها...ارتدائها الإسدال وضعها ضمن مرحلة النضوج...الرسالة المراد توصيلها من إرتدائها للإسدال أنها أصبحت جاهزة للقادر على الحصول عليها.

أكتفي بهذا القدر...وأعلم أن المشاهد لن تكتفي...فكم من مآسي نراها يوميا وقد لا نشعر بها إذا لم نضع أنفسنا محل من يعاني منها.

الخميس، 19 مارس، 2009

معضلة قبول الآخر بين العلمانية والأصولية الدينية

الملون باللون الأخضر هي الدول العلمانية


لكي تكون علماني حقيقي لابد أولاً أ تعترف بوجود الآخر وحقه في الحياة وفي التعبير عن أفكاره بحرية كامله, لكن على هذا الآخر من البداية أن يعترف بك حتى يمنحك فرصة أن تعترف به, لكن الآخر من حولنا يأبى أن يعترف بوجودنا, ويحرّض على إقصائنا ومحاصرتنا بل وأحياناً لقتالنا تحت راية الجهاد ضد الكفرة, فهل نصل لطريق مسدود معه أم نمارس علمانيتنا وليبراليتنا في أن نحتويه ونحاوره ونتفاوض معه؟

مره أخرى تظهر على السطح أمور قد تكون منافية للعلمانية والليبرالية التي ندعو إليها ونحاول ممارستها على أرض الواقع, من المفترض تجنب إستخدام العنف واللجوء للوسائل الشرعية والدستورية والقانونية والسلمية, كما انه من المفترض عدم إجبار الآخر على الإقتناع بأفكارنا, وفي نفس الوقت يمارس الآخر كل ما سبق بأريحية تامه مستنداً على تعاليم دينية دوجمائية قد تستخدم لأغراض عديدة حسب المواقف التي يتعرض لها, وقد رأينا في مقال سابق عن نقد المراجعات الجهادية للدكتور فضل إمام كيف أنه إقتبس من إبن تيمية شيخ الإسلام أن يستخدموا آيات التسامح في أوقات الضعف وآيات القتال في أوقات التمكين والقوة, وهو ما يستدعي للأذهان العمليات الإرهابية التي حدثت في تسعينات القرن الماضي ومازالت توابعها مستمرة للآن رغم ظهور المراجعات الجهادية للوجود والتي لم يكن لها من ظهور إلا لأن الجماعات الإسلامية الجهادية الآن في أضعف حالاتها....

الآخر يستغل كل الأدوات التي تقع تحت يديه ليحاربنا ويقصينا ويزيحنا من طريقه, ويقدم معلومات مغلوطه عن العلمانية والليبرالية للبسطاء والغير متعلمين وأنصاف المتعلمين وهم يشكلون غالبية الشعب المصري حتى تزداد الهوة بيننا وبينهم ونفقد أي تعاطف شعبي قد يساعدنا على كسب قاعدة شعبية مريحة تكون عنوان لشرعية قانونية قادمه, والدولة من جهتها تقف مكتوفة الأيدي لا تستطيع فعل شيء, فهي من ناحية تمارس إسلوب ليبرالي شبه علماني فيما يخص الإقتصاد والسياسة, وعلى الناحية الأخرى تستغل المؤسسات الدينية وجهل وتغييب الشعب للسيطرة عليه بشكل مريح وسلس يضمن منع أي مفاجآت تهز عرش السلطة القائمه الآن, ورأينا كيف تحارب الدولة العلمانيين الحقيقيين والتنويريين وكل من يخرج عن سياق القطيع ويحاول تنبيه الشعب لما في مصلحته ولتنويره, إذاً ما العمل؟

إستخدام القوة مرفوض بالطبع, الإتكاء على السياسيين والدولة سراب لا أمل منه, التفاوض مع الآخر مرفوض من الآخر نفسه الذي لن يفاوض على ثوابت دينية مُطالب أن يطبقها وإلا سيعتبر خارج عن المله, الشعب أغلبه مغيب ولا يعرف عن العلمانية والليبرالية والشيوعية سوى أنها كفر وخروج عن شرع الله, حتى إتحاد قوى العلمانيين أصبح من قبيل الخيال, هم يمارسون فيما بينهم الإقصاء على مستوى أقل حين يرفض الرأسماليين التحالف مع الشيوعيين واليساريين ويرون أنهم لا يفرقون كثيراً عن الإسلاميين! ويا للسخرية!!

الحل من وجهة نظري قد يكون مبالغ فيه, وقد يرفضه الكثيرون كما رفضوا من قبل فكرة ان ندعهم يخلطون الدين بالسياسة حتى يرى من لا يعرف الأضرار الناشئة عن هذا الخلط, لكني مره أخرى سأقول الحل الذي أراه ولنتناقش جميعا......

الحل هو ان نتطرف في تطبيق العلمانية والليبرالية, وأن نستخدم نفس أساليبهم, وأن لا نظهر بمظهر من يريد التفاوض, وأن نتمسك بثوابتنا الدستورية وهي الآتي:

1-دولة المدنية العلمانية الحديثة.
2-فصل الدين عن السياسة نهائياً وفي كافة المجالات.
3-إستقلال المؤسسات الدينية عن الدولة.
4-حرية الرأي والتعبير والفكر والمعتقد.
5-عدم السماح بقيام أحزاب على أسس دينية أو قومية أو عنصرية.
6-إنهاء أبدي لأي جماعات دينية مسلحة تنتهج العنف والتطرف.
7-تطوير الخطاب الديني وتنقيحه من أي دعوات لإلغاء الآخر وتحقيره وقتله.

كل ما سبق سيقود في النهاية لأرضية حوار مشتركة قائمه على التفاوض من أجل حلول وسط ترضي الطرفين, أما او بدأنا التفاوض من اننا معتدلين وهم متطرفين فلن يتحرك المؤشر نحو الإعتدال الذي يمثلنا, ولكنه سيتحرك بكل بساطة ناحية التطرف الذي يمثلهم, فقط لأننا بدأنا التفاوض من المنتصف, العلمانية والليبرالية لن تقوم لها قائمه طالما ظل الوضع بين طرفين أحدهم معتدل جداً والآخر متطرف جداً, لابد من جانبين متطرفين متساويين في التطرف حتى ينتهي مؤشر التفاوض عند نقطة المنتصف التي تحقق المكاسب للجميع.....

النقطة الأساسية هنا, نحن لدينا ثوابت لن نستطيع التنازل عنها رغم أنها ثوابت إنسانية بحته ونسبية, الطرف الآخر أيضاً يملك ثوابت, ولكنها مختلفة في الصفات, فهي ثوابت إلهية مطلقة تغييرها شبه مستحيل بالتفاوض, مما يضعنا أمام المأزق الآتي:

كيف نخرج من مأزق ثوابتنا المختلفة في ظل عدم تقبل كلا من الطرفين لتغيير ثوابته؟
كيف نقدم أفكارنا لشعب مغيب تماماً ويواجه العلمانية والليبرالية والشيوعية بأفكار مسبقة قائمه على انها كفر وضلال وشرك؟
ماهي الحلول التي نضمن بها تطبيق العلمانية قبل إنفجار فتنة طائفية تطيح بالأخضر واليابس أو ثورة إسلامية تطيح بنا من على وجه البسيطة؟
كيف نتعامل مع تيار يملك أدوات دينية تمكنه من الدعوة لقتالنا والإستيلاء على ممتلكاتنا وسبي نسائنا في أي لحظه ومع مبررات دينية لا تقبل الشك؟

أترك الإجابات لكم......

الاثنين، 26 يناير، 2009

الحل الوحيد لتطبيق العلمانية في مصر


أحد أهم الأسباب التي تجعل الإنسان يعيد حساباته بخصوص مواقفه السياسية والإقتصادية هي الأحداث التي تجبر الواقع على ان يتغير ولو بالقوة, قد يكون كلامي غريبا, لكن لن يبدو كذلك اذا علمنا ان تلك هي الطريقة الوحيدة لتغيير افكار شعوب الدول العربية من الصراخ مطالبة بتطبيق الحكم الديني الى بداية الاقتناع بجدوى العلمانية وخطورة الحكم الثيوقراطي, طريقة واحده في رأيي كفيلة بتغيير الوضع المزري للتفكير العربي الحالي وبدء إعادة التفكير فيه من قِبل الشعوب نفسها, تلك الطريقة تتلخص في السماح للتيارات الدينية السياسية بأخذ طريقها للحكم وتمهيد كل السبل لإعتلائهم سدة السلطة, بل ومطالبتهم ببذل كل مجهود في سبيل تطبيق حكمهم الديني على شعوبهم , ولنر النتيجة......

افغانستان عانت وتعاني أشد المعاناة من الحكم الديني لطالبان, وتحضرني نماذج عن حوادث بشعة حدثت هناك بإسم تطبيق الدين في الحكم, أقربها في وزيرستان من فترة قريبة عندما أعلنت طالبان كما أعلنت من قبل وقف تعليم الفتيات تطبيقاً للشريعة وحدث ان اوقف واحد من شرطة طالبان فتاة عمرها عشر سنوات تحمل كتبها وتتجه لمدرستها, وعندما تاكد انها ذاهبه للمدرسة بالفعل حرق وجهها بماء نار, ولا ننسى الشرطة النسائية في ايران والتي قامت بتوقيف النساء في الشوراع لإرتدائهم الأحذية البوت التي يدخلون فيها أرجل بنطلوناتهم بحجة أن منظرها مسيء وفيه فتنة للرجال, والمناظر المصورة في الشوارع للشرطة النسائية وهي تضرب النساء دلاله واضحه على ديكتاتورية الحكم الديني, أما في السعودية فتدخل هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الكافيتريات والمطاعم وتستجوب اي ذكر جالس مع انثى بحجة معرفة طبيعة علاقتهم, الى جانب ممارستهم القمعية المعروفة من سؤال عن اسباب عدم الصلاة الى اغلاق المتاجر المفتوحة وقت الآذان, في الجزائر زادت خلال الفترة الاخيرة عمليات تغيير الديانة من الاسلام للمسيحية, وعند سؤال من قاموا بها كانت اجابتهم ان الحكم الديني المصغر للجماعات الاسلامية في القرى التي حكموها لفترة وجيزة كانت من اهم اسباب تركهم للاسلام, كذلك قالوا ان الاسلام ارتبط في اذهانهم بالحوادث المرعبة التي قام خلالها الاسلاميون بذبح وتقطيع وحرق الاف المدنيين الجزائريين تطبيقا لحكمهم الديني.....

تلك النماذج السابقة للحكم الديني تعتبر خطوة في اقناع الشعوب بالتغيير للعلمانية, في افغانستان بدا تحول ملحوظ للبعد عن تاييد الحكم الديني, كذلك الحال في السعودية التي ظهرت فيها تيارات ليبرالية وعلمانية عديدة دون ان يكون لها تواجد فعلي على ارض الواقع نظرا لطبيعة النظام الديني العنيفة هناك, الجزائر تتحول فيها النظرة للحكم الديني الى نظرة سلبية بالتدريج, العراق على مشارف علمانية كامله بعد تجارب مؤسفة للتيارات الدينية هناك, اذاً احدثت التيارات الدينية بتشددها وعنفها وديكتاتوريتها تغييرات فعلية لاتجاهات اخرى اقل عنفا وتسلطا وتشددا, وهو ما يلاحظ في مصر الان, بعدما حدث في غزة ومن قبلها لبنان على يد حماس وحزب الله بدات الاصوات تنادي باعادة النظر في تطبيق الدين في الحكم, وظهرت تيارات تنادي بالقومية المصرية فقط لا غير بعيدا عن التاثيرات الخارجية سواء القومية العربية او الحكم الديني, العلمانية والليبرالية والاشتراكية تاخذ مسارها في مصر الان في مواجهة التيار الديني ممثل في الاخوان, وصل الامر للكثيرين الان للمطالبة بتاييد جمال مبارك في مواجهة الاخوان في حال استمرار الاثنين في المنافسة على كرسي السلطة.....

المسالة الان تنحصر في شقين, اما الموافقة على استمرار الحزب الوطني ممثلا في جمال مبارك او احد اعمدته مع استمرار استغلاله للدين كمصدر شرعي للسلطة الى جانب ضربة للتيارات الدينية بحجة انها غير شرعية وارهابية, او الاعتماد على الحكم الديني الذي يستخدم الدين لصالح استمراره في السلطة مع ضرب التيارات العلمانية والليبرالية بحجة انها ضد الدين وتعادي الله ورسوله, في رايي ان ترك الحبل على الغارب للتيارات الدينية حتى تصل للحكم وتمارس سلطتها بشكل كامل ومطلق هو الحل لبزوغ رفض شعبي لها نتيجة ممارساتها الديكتاتورية والسلطوية والعنيفة كما هو متوقع, وفي تلك الحاله ستتجه الجماهير للتيار الوحيد القوي الباقي وهو التيار العلماني الذي سيقوم بدور المنقذ في تلك الحاله وسيقف كحل اخير امام ديكتاتورية السلطة الثيوقراطية الاقصائية, بمزيد من الجهد وبعض الوقت وبمساعدة تسلط الحكم الديني ستتجه الاعين لدعم الحركات العلمانية, وستنشأ جماعات ضغط علمانية قوية بمساندة جماهيرية كبيرة نسبيا وستأخذ مصر نفس الطريق الذي اتخذته تركيا من قبل نحو العلمانية الصرفة.....

قد يكون تحليلي خيالي, او مبالغ فيه, او ربما متفائل زيادة عن الحد, ولكن قد يكون هذا هو الغرض منه حتى تثار القضية بشكل اكثر اعتدالا وواقعية مستقبلاً......