الاثنين، 31 ديسمبر، 2007

عبقرية الشعب المصري


يعاني الشعب المصري كثيراً في الربع قرن الأخير كما لم يعاني من قبل في تاريخه الحديث وبالتحديد بعد إستقلاله, يأس الكثيرون وأحبط الشباب ودبت الروح الإنهزامية من جديد وكأنها قدر مكتوب لا فكاك منه ولا هروب, كل ما يحيط بالشعب المصري حالياً يدعو إما للهجرة أو الإنتحار أو حل عبقري يتعايش من خلاله المصريين مع واقعهم الأليم متكيفين معه ومندمجين في منظومته, وكالعادة, وكما يقول التاريخ لم يستسلم الشعب المصري لآلمه ومآسيه, بل شرع في ضبط إيقاع حياته على وضعه الجديد ومن خلال حيل أقل ما يقال عنها أنها عبقرية بحق وتنم عن خبرة تاريخية طويلة وعميقة تتوارثها الجينات الوراثية المصرية بأمانه ودون كلل أو ملل, فنرى مثلاً أنه عند دخول مصر في عصر الفضائيات المشفرة وقانون (إدفع لتشاهد) لم يلبث الشعب المصري كثيراً أمام تلك المعضلة الجديدة ولم يستسلم لها, بل إنطلقت العقول العبقرية المصرية لتحلق في سماء الفضائيات والشبكات هي الأخرى لتلقن الرأسمالية الوحشية (وهو ما سنراه كثيراً كدليل على الرفض المصراوي القاطع لها) درساً علمها كيف ترحم المنسحقون تحت تروسها بل وتستجديهم لئلا يسحقوها, فأنطلقت الشبكات الأرضية في مدن ومحافظات مصر كالنار في الهشيم, وفي خلال أقل من سنه صارت مباني مصر كشباك العنكبوت, ولم يخلو بيت من (وصله) تسلي أفراده وتشعرهم بنصرهم على من يستغل حاجتهم, ولم تكن كابلات الوصلات اللاعب الوحيد في رسم خيوط بيت العنكبوت, ولكن دخلت وصلات الانترنت كمنافس قوي وعنيد ويتضخم بإستمرار أيضاً بعد تزايد الحاجه لها وإرتفاع أسعارها نسبياً بالنسبه لدخول المصريين, ومما زاد الطين بله ما فعلته وزارة الإتصالات من نظام جديد بنصف الثمن نعم, ولكنه يحدد الدخول للإنترنت بستين ساعه شهرياً فقط, وهو مما زاد من درجة العناد لدى الشباب وحمسهم أكثر لإقامة الشبكات وليتحمل الرأسماليون نتيجة جشعهم, ومن معركه لأخرى تنتقل كتائب الشعب المصري العبقرية لتضرب بيد من حديد على جشع التجار وتهاون الحكومة وتداعى النظام, فعندما وجد المصريون أنفسهم أمام تصريح قاسي (كالعادة) لوزير المالية يوسف بطرس غالي يقول فيه (زمن السلع الغذائية الرخيصة إنتهى) لم يجدوا بداً من اللجوء للحلول العبقرية حتى تستمر الحياة, فصارت العروض المخفضه التي يتنافس على تقديمها متاجر السلع الغذائية هي الأساس وليست الإستثناء, وخاصم المصريون المجمعات الإستهلاكية وإنطلقوا للشراء من البائعين المتجولين والأسواق الشعبية المنتشرة في الأحياء المتوسطة والفقيرة, وعندما إفتقد المصريون اللحوم الحمراء والأسماك توجهوا للدجاج مستغلين إنخفاض أسعاره نسبيا وتنوع أطباقه كتعويض مرضي عن فقدانهم للحوم, وفي أزمة أنفلونزا الطيور لم تيأس العبقرية المصرية من الوضع, بل تكيفت مع ما أستجد ورضيت ولو مؤقتاً بأقل القليل من البروتين الحيواني على أمل أن تعود الأمور لما كانت عليه, وعلى الصعيد الإجتماعي إزدادت الأمور سوءاً مع الشباب من الجنسين, فمع تأزم الوضع الإقتصادي وإنخفاض مستوى المعيشة وبالتالي فتور الشباب على السعي للزواج تفاقمت أزمة العلاقة بين الجنسين, وصار كلاً منهما يفكر في الآخر إشتهاءا وحاجه ورغبة, وكلما إزدادت الهوة بينهما كلما إرتفعت نسبة الإنجذاب جنسياً بصورة مطردة, فظهر للوجود من جهة الجنس اللطيف ظاهرة الحجاب المتحفظ بداية, ثم المودرن بمرور الوقت, حتى وصلت الأمور لتغطية الشعر ظاهرياً من أعلى وتعرية باقي الجسم فعلياً من أسفل, ثم توالت ردود الفعل للتغلب على شهوة الجنسين مثل الإسدال والنقاب الذي بدأ الإنتشار بصورة ملحوظة بعد فشل الحجاب في إطفاء لهيب الرغبة المستعرة, ولم تكن ردة الفعل العكسية تلك حكراً على الجنس اللطيف فقط, بل إمتدت للذكور أيضاً عندما إتجه قطاع ليس بالقليل منهم للجماعات الدينية بمختلف أشكالها وأنواعها, ومنهم من إلتزم بمظهر بدوي صحراوي وجد فيه الزهد والتقشف, ورخص الثمن أيضاً, وبالطبع أتاح الإلتزام الديني قدر أكبر من كبت الشهوات مما ساعد على علاج المشكلة الجنسية ولو مؤقتاً, ثم إتجه الشباب الجامعي على وجه الخصوص للزواج السري العرفي كبديل لا مفر منه لصعوبة الزواج وعدم قدرتهم على تلبية متطلباته, ولم يقف الزواج العرفي عند طبقة أو ثقافة معينة, فقد إنتشر كموضة بعد ظهوره كحاجه, وأصبح من أقصر الطرق لإشباع الرغبات والحصول على حياة زوجية بأقل التكاليف الممكنه حتى لو كانت زيجات مؤقتة, وتوالت الحلول العبقرية إزاء التغلب على المشكلة الإجتماعية الإقتصادية المشتركة, فظهرت أسواق الملابس منخفضة السعر, والأجهزة الكهربائية الصينية ذات الجودة الرديئة ولكن بسعر يناسب ردائتها, وبدا أنه من الممكن فك لغز مواصلة الحياة بالقدر الأدنى إذا إستمرت العقلية المصرية في إبتكار البديل دوماً ودون يأس, فبدأوا في ممارسة العادة المصرية الأصيلة في إطلاق النكات على نظام الحكم, ثم خاصموا العمل السياسي نهائياً بأحزابه وإنتخاباته وإستفتاءاته, وتوحدوا مع رموز شعبية بسيطة حققت حاجتهم للسياسة من جهة وقدمت حلاً عبقرياً لمواجهة نظام الحكم من جهة أخرى, وظهرت للوجود بدائل مثل إتحادات طلبة الجامعات الحرة (المنشقة عن الإتحادات الحكومية), كذلك ظهرت مجالس النقابات الموازية, والحركات الشعبية البسيطة كبديل للأحزاب الضعيفة, ومن السياسة للتعليم تتواصل مفردات العبقرية المصرية في فرض حلولها, فمع إنخفاض مستوى التعليمي والثقافي والمنهجي للمدارس الحكومية وعجزها عن تلبية مطالب الطلاب في التلقين بما يكفي للنجاح ودخول كليات القمة ظهرت فكرة الدروس الخصوصية كعامل مساعد بداية, ثم بديل كامل للمدارس بمرور الوقت, وتطورت الفكرة أكثر لتأخذ الدروس شكل شبه رسمي ممثلة في المراكز التعليمية التي إنتشرت إنتشار سريع محققه أرباح خيالية لأصحابها وللعاملين بها وعلى وجه الخصوص طبعاً المدرسين, وأصبحت المادة هي الرابط الرئيسي بين الطالب والمعلم, وتوارى العلم خجلاً كوسيلة بغية الوصول للكلية المنشودة من جهة الطالب وإرتفاع مستوى المعيشة بالنسبه للمدرس, ثم توالت البدائل ممثله في المدارس الخاصه ذات المصروفات الباهظة والمستوى التعليمي المتميز, وتحققت المعادلة بين الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء, فإتجه الأغنياء للمدارس الأجنبية واللغات, وإتجه متوسطي الحال للمدارس التجريبية والخاصه, وإكتفت الطبقة الفقيرة بالمدارس الحكومية مع مجموعات التقوية والدروس الخصوصية المنزلية على إستحياء وهم بالطبع الخاسر الأكبر في تلك المعركه التي لا يزال أمامها العديد من المصاعب وأهمها على الإطلاق الجدل الدائر حول إلغاء مجانية التعليم لنعود للوراء أكثر من خمسون عاماً كفاح المصريين خلالها لينالوا حقهم الطبيعي في تعليم جيد منخفض التكاليف, ولم تنس العبقرية المصرية الدين وسط كل تلك التحديات والمعارك, فظهرت الموروثات الشعبية الدينية التي تحض على الرضا بالمحتوم والإنصياع التام للقضاء والقدر والنصيب وشاعت ثقافة الإتكال والرزق الذي سيأتي كما هو مقدر مهما سعى الإنسان له, ولم تكتفي الموروثات الدينية بروح الإستسلام فقط, بل ساهمت أيضاً في التخلف عن ركب الحضارة والثقافة والفنون إراحة للعقل وتوفيراً للنفقات عن طريق تحريم الأخضر واليابس منها, وكثر الحديث عن فتاوي التحريم بداية من الفنون بجميع أشكالها ونهاية بالتنقيب في نفوس الأدباء والشعراء بحثاً عن كلمة أو لفتة يكفرون من خلالها, وسادت الفكرة القائلة بأن الماضي أروع من الحاضر والمستقبل, وأن الرجوع إليه سيحقق المدينة الفاضلة والأخلاق الحميدة والرخاء الإجتماعي والإقتصادي, فظهرت أفكار تحض على إسترجاع الخلافة الإسلامية, وعودة فكرة الشورى الغير ملزمة للخليفة, وإقامة الحدود, والإلتزام بالزي الإسلامي, وأسلمة كل مظاهر الحياة بداية من الأعراس والمآتم ونهاية بحف الشوارب وتقصير الثياب, وإنتشر الفكر المناهض للثقافة والحريات والديموقراطية والمجتمع المدني ممثلاً في رفض الحضارة الغربية بكافة مظاهرها وتطبيق هذا الرفض فعلياً على أرض الواقع في مجتمعنا الشرقي, وهنا كان البديل الديني العبقري رد قاسي على الحكومة العلمانية التي تطبق ديموقراطية شكلية ديكورية ذات طابع رأسمالي متوحش لا يعني بالطبقات الفقيرة ولا المتوسطة, وإنما جلّ إهتمامها هو طبقة الأغنياء والمترفين ذات الأقلية العددية والمكروهة شعبياً, ولم تقف الأمور عند هذا الحد, بل إستمر الدين كبديل عن السياسة في إنتخابات مجلس الشعب والنقابات, وبرز تيار الإخوان المسلمون على حساب وجوه حكومية شاخت وأفلست ولم يعد لديها ما تقدمه سوى الإستفزاز والتجاهل والعناد والذي أدى بالطبع لرد فعل مساوي في القوة ومضاد في الإتجاه من جانب المواطنين.

عبقرية الشعب المصري لم تكن دوماً موفقة في نهجها وطرق معالجتها لمشاكل الحياة اليومية, ومن أسوأ نتائجها على الإطلاق ترسيخ ثقافة التكيف مع الوضع الحالي بدلاً من مواجهته وتغييره بالوسائل الشرعية التي تضمن الحصول على الحقوق مع ضمان سلامة المجتمع, ولم تأخذ عبقرية المصريين طريقها الصحيح المحتوم للتطور إلا في الفترة الأخيرة بعد إستخدام سلاح الإعتصامات والمظاهرات كوسيلة جديدة غير سلبية كسابقاتها, فعندما شعر العامل المصري البسيط بأن حقه المهضوم سيصل به للنهاية المحتومة بالقضاء على قدرته على التكيف مع واقعه نهض وانشأ الإتحادات العمالية البديلة للإتحادات الحكومية والتي نجحت نجاح غير مسبوق في إسترجاع الحقوق وفرض كلمة العمال على النظام ممثلاً في مجالس الإدارات الحكومية وإتحاداتها, وظهرت في مصر حركة إعتصامات غير مسبوقة من الأسكندرية لأسوان, وإشتعلت المصانع والهيئات الحكومية وحتى بعض الإدارات داخل تلك الهيئات بنار المطالبة بتحسين مستوى المعيشة وإلا سيتوقف العمل وتتعطل المصالح, ونجحت الإعتصامات حتى أضحت هي القاعدة والإستقرار هو الإستثناء, ومع ذلك لا يمكن إنكار دور التكيف مع الظروف في الحفاظ على تماسك المجتمع وتأدية الغرض منه في البقاء على قيد الحياة رغم كل المصاعب والمشاق والأهوال التي يعانيها المواطن المصري في سبيل تحقيق هذا الهدف البسيط.

الخميس، 13 ديسمبر، 2007

ما بين سطور المراجعات الفقهية, نرجو الإنتباه قبل فوات الآوان


هاقد ظهرت أخيراً إلى النور وثيقة المراجعات الجهادية بعد طول إنتظار, وهاقد رأينا كيف تنازل أصحاب الأفكار الجهادية عن أيدولوجياتهم في سبيل مجتمع أفضل, ورغم كم التنازلات الرهيب في الأفكار والمواقف إلا أن بين السطور تتوارى الكثير من الألغام التي قد تنفجر في أي وقت مستقبلاً ما لم يسارع أصحاب الأقلام النقدية في إبطال مفعولها, وإذا كان الكثير من المفكرين والسياسيين قد تملكتهم الفرحة من صدور تلك المراجعات لما فيها من أفكار إيجابية فإن الكثير أيضاً تخوفوا مما جاء من بين السطور تخوفاً عظيماً, وهم لهم كل الحق فيه ودون أدنى شك, وفيما يلي نستعرض بعض الأفكار التي دُست في الوثيقة كالسم في العسل علنا ننتبه لها قبل أن تصبح نبراساً يسير عليه الجهاديين الجدد بعد تنازلهم عن الموروثات القديمة :

1 – يقول الدكتور سيد إمام في حديثه عن (مجهول الحال) :

وقديماً كان يحكم لمجهول الحال في دار الإسلام بالإسلام, ومن هنا قال النبي-ص- :"تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" رواه البخاري, لأنه لا يجوز إبتداء غير المسلم بالسلام, وانما كان يحكم لمجهول الحال بالإسلام لأسباب منها :

1) التمييز في الهدى الظاهر (المظهر) بين المسلمين وبين غيرهم, إذ كان يجرى إلزام أهل الذمة بلبس الغيار (الثياب المغايرة للبس المسلمين).

2) إقامة حد الردة على من ينقض إسلامه من المسلمين.

ومع غياب هذين الأمرين لا يمكن القطع بالإسلام لمجهول الحال الذي لم يظهر منه شيء من علامات الإسلام أو الكفر.

ينتهي كلام الدكتورسيد إمام, ولا ينتهي الحديث عن نظرة المتشددين لغير المسلمين أو المرتدين, فلازال الإرث القمعي لغير المسلمين موجوداً, ولازالت النظرة الدونية سائدة لم ولن تتغير, فقط الذي تغير (وعلى ما يبدو أنه يسبب الضيق للجماعات) أن الزمان لم يعد يسمح بتلك الممارسات كما كان يسمح به سابقاً, فأصبح أهل الذمة (للأسف) يلبسون كأهل الإسلام, والمرتد صار طليقاً حراً لا يقتل (مع الألم) كما كان يحدث سابقاً, ومن هنا صار التعرف على مجهولي الحال (غير معروف إيمانهم من عدمه) مستحيل, ولو كانت الأمور كما في الماضي الجميل لجروا من رقابهم إلى محاكم التفتيش لنعبث في قلوبهم وعقولهم ونقيس مدى شدة الإيمان وعلى أساس النتيجة سيصنف البشر مستويات, قوي الإيمان جداً, قوي فقط, جيد, ضعيف, معدوم, ولكلاً منهم ثوابه أو عقابه بالطبع, ومما يحار العقل في تفسيره إصرار الجماعة على عدم الإبتداء بالسلام على غير المسلمين, كأنهم ليسوا بشراً أو في مرتبة أقل من المسلمين في مملكة الكائنات الحية, ورغم عدم إنسانية هذا الطرح على الإطلاق إلا أننا نرى إصرار غير طبيعي عليه كأنه فرض على المسلم لا يستقيم إسلامه بدونه.

2 – يقول الدكتور سيد إمام :

في حال علو المسلمين وتمكنهم وقدرتهم على الحرب وغلبة الظن بالظفر لا يجوز مسالمة الأعداء لئلا يفضي هذا إلى ترك الجهاد وإستفحال خطر العدو, وهذا كله – وكما سبق – مع العلو والتمكين لا مع العجز والإستضعاف.

ويقول أيضاً في ذات السياق :

وحتى مع المرتدين يتصرف المسلمون معهم بحسب قدرتهم ومصلحتهم, فقد خرج مسيلمة في حياة النبي – ص – وقدم عليه بالمدينة ثم أرسل رسوله (ابن النواحة) إليه وسكت عنهم, ولم يقاتلهم المسلمون إلا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وإن كان قد قال : "إن كفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي" في (مجموع الفتاوي ج28), وقال أيضاً : "إن المرتد لا يهادن ولا يقر على الردة بالجزية كالكافر الأصلي", إلا أن هذا كله عند قدرة المسلمين وعلوهم وتمكنهم من جهاد المرتدين.

ما يُفهم من كلام الدكتور سيد لا يحتاج إلى تفسير, فهو يؤكد وبصراحة يُحسد عليها أنه في حال تمكن جماعتة (أو أي جماعة ذات فكر إسلامي) من الحكم والإمساك بمقاليد قوة الدولة لن يتوانى عن الحرب, والحرب فقط, ولا سبيل لسلام أو محبة أو ود مع الجيران الكفرة, حتى لو في مقدورهم السلام فلن يقيموه, لأن الجهاد أهم, والقتال له الأولوية ومحو الآخر هو الغاية, وهذا الأمر لا يسري على الجيران الكفرة فقط, بل يمتد أيضاً لأي مسلم يرتد عن دينه في الداخل أو الخارج, ولم يذكر الدكتور سيد حكمه على غير المسلمين في أرض الإسلام, هل في حالة التمكين سيجاهدون ضدهم أيضاً ؟ أم سيتركونهم لحال سبيلهم لأن الجهاد الخارجي أولى ؟ في كل الأحوال نرى أن الفكر الجهادي لا يزال يطل برأسه من المراجعات (السلمية), فقط عند التمكين سيتحول لواقع عملي لا شك فيه ولا إبطاء في تنفيذه, فهل ننتظر تمكين الجماعات من الحكم حتى تتحول مصر لقاعدة جهادية (حكومية) تنطلق لتغزو أراضي الكفار من حولها ؟ وهل ستقام محاكم التفتيش مرة أخرى لتنقية المسلمون من المرتدون ومن ثْم تنفيذ حكم الردة عليهم ؟

3 – وفي معرض حديثه عن أوقات التمكين والإستضعاف يقول الدكتور سيد إمام :

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول) ما حاصله :

"فمن كان متمنكاً في أرض أو وقت عمل بآيات قتال المشركين وأئمة الكفر, ومن كان مستضعفاً عمل بآيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين", ولابن القيم مثله في كتابه (أحكام أهل الذمة).

ومما سبق نستنتج أن نظرة شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده الدكتور سيد إمام للقرآن الكريم نظرة مزاجية بحته, فيقسمونه لأجزاء يستخدمون منها كل جزء على حدة في أوقات بعينها, فهم في حالة الضعف يصفحون ويتسامحون ويعرضون عن المختلفون معهم, وفي حالة القوة والتمكين لا يتوانون عن ذبح المخالف في أقرب فرصة طالما إمتلكوا القدرة على ذلك, وفي الحالتين يستندون للدليل القرآني على أفعالهم المتناقضة, فهل يوجد عبث أكثر من هذا ؟ هل يستوي ربط المطلق بالمحدود ؟ هل يدخل العقل أن نستخدم القرآن في حالتين متناقضتين لإصباغ الصبغة الشرعية على تناقض الأفعال ؟ مع الإصرار بالطبع على وصم المختلف بالمشرك أو الكافر, وهو ما نراه عبر الوثيقة من أول صفحة فيها لآخرها, فلا مجال لكلمة (الآخر) على الإطلاق, ويحار العقل كثيراً في جرأة الدكتور سيد إمام على الإستشهاد بكتابات ابن تيمية على طول الخط في وثيقة يفترض أنها سلمية وتدعو للتسامح, ومن المعروف عن كتابات ابن تيمية أنها مليئة بالفكر الجهادي السلفي الذي لا يملك في مواجهة الآخر سوى قتلة أو على الأقل إعتباره عدو أبدي إلى أن يعلن إسلامه مرغماً أو مقتنعاً, ومن المثير للعجب في الإقتباس أعلاه أن نجد شجاعة غير عادية في إستخدام الآيات القرآنية بتلك الصورة المخجلة, ويأتي السؤال الأساسي بناءاً على ما أورده الدكتور, هل القرآن يدعو (بالمطلق) للتسامح والصفح والعفو, أم يدعو (بالمطلق) لقتال الكفرة والمشركين ؟ أيهما نصدق ؟ آيات التسامح أم آيات القتال ؟ بأيهما نسترشد, الآيات التي تدعوا لإحتواء الآخر أم التي تدعو لقتاله ؟ بما فعله ابن تيمية ومن بعده الدكتور سيد إمام نقف على معضلة لا طاقة لنا بمواجهتها, هل إستمدت الجماعات الجهادية فكرها من القرآن في حالة جهادهم ضد المجتمع الكافر وإستمدت من نفس المصدر الفكر السلمي الآن ؟ كيف يستقيم أن تستمد من نفس المصدر (المطلق) فكرين متناقضين ؟ تلك هي المسألة.

4 – في موقع آخر للحديث عن الجهاد يقول الدكتور سيد إمام :

إن من له إمام أو أمير لا يجوز أن يفعل شيئاً من ذلك إلا بإذنه لقوله تعالى : (نما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه...) "النور : 62", وفي الصحيح أن النبي – ص- قال : "من أطاع الأمير فقد أطاعني, ومن عصى الأمير فقد عصاني" متفق عليه, ولهذا قال الفقهاء : (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام) ذكره ابن قدامه الحنبلي في كتابه (المغني).

ثم يقول :

أن الغزو مع مع الأمير الفاجر القوي أفضل من لغزو مع الأمير الضعيف التقي, والقوة والضعف هنا هما بالنظر إلى خبرته بالحروب, وقال أحمد : "إنما فجوره على نفسه وقوته للمسلمين" وذلك لأن مقصود الجهاد إظهار الدين.

ويقول في موضع آخر :

وأعلم أن السمع والطاعة هما في الأصل لله وللرسول – ص – أي للدليل الشرعي من الكتاب والسنة لا لشخص الأمير, ولهذا أمر الله بالرجوع إلى الدليل عند التنازع مع ولاة الأمور وغيرهم قال تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) "النساء :59), فلا تقبل أمراً يخالف الشريعة.

وإن كان أميرك أو مسؤولك فقيراً في العلم الشرعي فلا تقبل منه شيئاً تستريب فيه إلا بفتوى من مؤهل لذلك, وفي الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" حديث صحيح, لأن مثل هذا الأمير حكمه كالعامي يجب عليه أن يستفتي أهل العلم ويسألهم لا أن يفتي غيره.

وهنا نقع في ذات المشكلة, من نصدق ؟ الدكتور سيد إمام يحض في موضع على طاعة الأمير دون شروط مسبقة مستنداً إلى حديث شريف, ويعود في موضع آخر ليحث المسلمين على عدم الطاعة الأمير فيما يخالف الشريعة مستنداً إلى القرآن والسنة ! ومرة يقول أن طاعة الأمير الفاجر القوي أفضل من طاعة الأمير الضعيف التقي, ثم يعود فيقول أنه لا طاعة لأمير يخالف الشريعة ! فهل يوافق الأمير الفاجر الشريعة حتى نتبعه ؟ أين المعايير الثابتة التي سيسير عليها فيما بعد من يتبعون الوثيقة ؟ يطيعوا الأمير طبقا لحديث الرسول أم يرفضوا طاعته طبقاً للقرآن وحديث الرسول ؟ يتبعوا الفاجر القوي أم يعارضوا الأمير المخالف للشريعة الذي يحتمل أن يكون فاجر وقوي أيضاً ؟ وفي حالة الإلتزام بطاعة الأمير ولو كان فاجر, هل وقتها سيكون لزاماً على أتباعه تنفيذ أوامره بغض النظر عن نتائجها فقط لأنه يوجد حديث شريف يحض على طاعة الأمير والنهي عن معصيته لأن طاعته من طاعة الرسول, وفي حالة ما كان الأمير يخالف الشريعة, هل وقتها ستصح معارضته مع وجود الحديث سالف الذكر ؟ بالطبع إنها معضلة سيعاني منها من سيلتزمون بما جاء في الوثيقة, والتي بطبيعة الحال لن تصمد طويلاً أمام كم التناقضات التي أوردناها وستتسبب مستقبلاً في ظهور الإختلافات والإنشقاقات بين الجماعات الجهادية لتظهر من جديد جماعات تتبنى الفكر السلفي الجهادي التكفيري بناءاً على هجرتهم لما جاء في الوثيقة, ونعود من جديد لتكرار نفس التجربة الأليمة وكأن شيئاً لم يكن.

فهل تنتبه عقولنا لما بين السطور وما جاء متخفياً في عباءة المراجعات تحت ستار قبول الآخر ونبذ العنف وإلغاء التكفير ؟ هل نعير تلك الملاحظات الإنتباه ؟ هل نضع في حسباننا أنهم لا يزالون يطلقون على الآخر لفظ الكافر ولايزالون مصرون على عدم البدء بالسلام لغير المسلم وأنهم ينتظرون التمكين لإعلان الحروب وينتظرون القوة لفرض الأفكار بالإرغام مرة أخرى ؟ أرجو أن تنفتح أعيننا على السلبيات ولا ننخدع بالإيجابيات قبل فوات الآوان.

الأربعاء، 14 نوفمبر، 2007

هل أصبح الأزهر منبر التطرف وضحالة الفكر وتعطيل العقل ؟



هل وصل الحال بالإنسان المسلم أن يسأل أهل الدين في أدق تفاصيل حياته التي لا تحتاج سوى إلى قليل من العقل وبعض التدبر وإعمال بسيط للفكر ؟

منذ متى وصل الحال بالمسلمون لتلك الدرجة المخزية من الإتكال وضحالة التفكير وتعطيل العقل ؟ لم تأخذ دار الإفتاء تلك المكانة والأهمية إلا في زماننا هذا, فقد وصلت طلبات الفتاوى اليومية طبقاً لآخر الإحصائيات لألف فتوى كل شهر ! وهو رقم غير مسبوق ولا يعبر إلا عن إنحدار مستوى الوعي الجمعي والتفكير العلمي والمنطق, ومما زاد الطين بلة إنتشار قنوات الإفتاء الدينية الفضائية التي أخذت دورها في توجيه المسلمين كيفما تشاء دون رادع أو وازع, وصارت تلك القنوات منبراً تُنشر فيه أفكار ما أنزل الله بها من سلطان, منها أفكار خرافية غيبية لا تمت لواقعنا العلمي بصلة, ومنها أفكار متشددة تدعو لنبذ الآخر وإحتقاره, ومنها أيضاً من يدعو لطاعة ولي الأمر أياً كانت أفعاله طالما شهد بأن لا إله ألا الله ! ومن نتائج تلك الأفكار الطبيعية إنتشار ثقافة الميتافيزيقيا والتعصب الديني وقبول الأمر الواقع وإحباط أي فرصة للمطالبة برجوع الحقوق لأصحابها أو تعديل الواقع السيء الذي تعيشه الأمه العربية على كل الأصعدة, وإذا إعتبرنا أن لتلك القنوات إتجاه تجاري بالمقام الأول وفكر وهابي صحراوي بالمقام الثاني يبغى الإنتشار, فماذا عن الموقف الرسمي للأزهر ؟

منذ حوالي ستة أشهر صدرت رواية أشبه بالسيرة الذاتية لكاتب شاب إسمه خالد البري, يحكي فيها تجربته مع الجماعات الإسلامية خلال فترة توهجها, وحملت تلك السيرة عنوان (الدنيا أحلى من الجنة), عندما تنتهي من قراءتها تشعر أن التطرف لا مكان له في الأديان السماوية إلا في عقول متحجرة تأبى التفكير وإستخدام العقل, ورغم سمو الرسالة التي يقدمها الكاتب في سيرته وعمق الفكرة والدرس المستفاد من وراء تجربته لكل شاب في مقتبل حياته إلا أننا فوجئنا بمنع الرواية ومصادرتها نهائياً من قبل الأزهر نفسه الذي يدعو للوسطية وينبذ العنف والتطرف, ولم نرى سبب مقنع لمنع الرواية سوى لأن الكاتب يهاجم الإرهاب ومنطق القتل باسم الرب ! وبدلا من أن يقوم الأزهر بتوزيعها في منافذ البيع وينصح بقراءتها حتى يفكر الشباب المتطرف من جديد في دينه, نجده يمنعها في إشارة لدعمه للمتطرفين والداعين للعنف ورفض الآخر, فهل هذه رسالة الأزهر الآن ؟

ومن عجائب الأمور أن نجد أكبر شخصيتين دينيتين في مصر والمدعومان بقوة الإفتاء والسلطة الدينية الممنوحة لهما يتصرفان وكأنهما ضد الشعب المصري بل وضد أي فكر مستنير أو متحضر, فتارة نجد شيخ الأزهر يدعو لجلد الصحفيين بكل جرأة وعنف, وتارة أخرى يخرج المفتي علينا بفتوى أن قتلى الهجرة غير الشرعية ليسوا شهداء, وكأنه إمتلك صك الشهادة يمنحه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء, وطوال عام مضى لم نجد أي تعاطف شعبي ظاهر تجاه شيخ الأزهر أو مفتي الديار المصرية, بل ونجد رد فعلهما على ما يثار حول فتاويهم المرفوضة لا يعبر إلا عن رفضهم الحوار مع من يفتوا لهم, كأنهم يفتون لجهة بعينها وليذهب الشعب للجحيم, ولم ينتظر المفتي كثيراً حتى أكد لنا ما ظنه الناس حين أفتى أن قتلى السيارات يرجع اللوم عليهم وليس على من يقود, وظهرت تلك الفتوى بعد حادثة مقتل سيدة تحت عجلات سيارة الشرطة مباشرة, وكأن المفتي ينتظر أفعال الشرطة والحكومة حتى تخرج فتاويه بما يبررها ويدعم موقفها !

ولنا أن نتساءل, هل وصل حال الإفتاء لدرجة أن نسأل هل غرقى البحر شهداء أم لا ؟ هل اللوم يقع على قائد السيارة أم الضحية ؟ هل من يطلق إشاعة يستحق ثمانون جلدة ؟ كلها أسئلة لا فائدة حقيقية من ورائها, إما لأنها بديهية, أو لأنها لن تقدم ولن تؤخر, ولكننا نوردها هنا لأنها صدرت عن أعلى سلطتين دينيتين في مصر, فماذا عمن يسأل عن أي من الحيوانات سيدخل الجنة وأيها سيدخل النار ؟ أو من يتساءل عن مشروعية ذبح الأضاحي بدون تقليم الأظافر ؟ أو الآخر الذي يستفسر عن جواز تنظيف أرضية حمامه بمياه ساخنة حتى لا يزعج أهل الجان فيؤذونه أو يؤذون أسرته ؟ ومن أطرف ما رأيت كان عن مواطن يسأل بكل إهتمام وجدية عن مدى حرمانية إستخدام فرشاة الأسنان بدلاً من السواك ؟

المشكلة ليست في السائل فقط, فقد يقول قائل أن من يفتي في المسائل الشرعية لا يؤخذ بذنب السائل عنها مهما بلغت درجة غرابة الأسئلة, ولكن العجيب أن يرد المسئول عن الفتاوى على تلك الأسئلة التي يستنكرها فيما بعد ! والاولى به في هذه الحالة أن ينبه السائل لأن يستخدم عقله ومنطقه وسيصل وحده للإجابة التي يبغاها, وإذا إستخدم كل عالم دين سلطاته في توجيه الناس للقراءة والبحث بأنفسهم لما وصلنا لتلك الدرجة المتدنية من الإنحدار الثقافي وضحالة الوعي الجمعي.

الاثنين، 29 أكتوبر، 2007

العنصرية تحكم مصر


لماذا تحولت مصر من البوتقة التي تنصهر فيها الجنسيات والأعراق والشعوب إلى دولة إقصائية عنصرية يرى شعبها أنه شعب ساميّ ذو دماء زرقاء ووجوه تحيطها هالة التقديس النورانية وأن بقية الشعوب متهمة بإتهامات مختلفة إلى أن يثبت العكس ؟

مآساة أخرى من تراجيديا الواقع المصري المعاصر ترويها وقائع يومية يخجل منها العقل الإنساني الحديث, فقد إستشرت روح الإقصاء ورفض الآخر والعنصرية كأنها المتنفس الوحيد الباقي بعد تزيلنا قائمة الأمم وتخلفنا عن ركب الحضارة ونخر السوس لأعمدة التنوير حتى تهاوت آخذة معها الرُقي والحداثة والتحضر, وبعد ما كانت القاهرة قِبلة المهاجرين ومنارة العلم وواحة العلماء أصبحت تتسم برفض الآخر وتحقيره وإقصاءه, وقد ظهرت تلك الصفات الجديدة في أبهى صورها خلال السنوات الأخيرة, خاصة بعد الهجرة الجماعية للأخوة العراقيين والسودانيين هرباً من ويلات الحرب وعذابات الفتن الدينية والسياسية, وإستقرت الجاليات العراقية في احياء معينة مثل حي السادس من أكتوبر والتجمع الخامس, ومع الإستقرار وتزايد معدلات النزوح والهجرة وتوافر رأس المال ورغبة المهاجرين الجدد في التغلب على كآبة الغربة إفتتحوا سلسلة مطاعم ومخابز ومحال تجارية متععدة الأغراض لتعويض إشتياقهم للوطن, ولكن هيهات, فقد تربص المصريين لإخوانهم الفارين من الموت وأهواله بشتى صنوف الرفض والإقصاء, وظهرت أقاويل من نوع "إنهم السبب في رفع أسعاد العقارات" أو "لماذا يفرضون علينا ثقافتهم من أطعمة أو لهجات ؟" أو "أبنائنا أولى بفرص العمل التي تتاح لهم", ونسوا أو تناسوا خمسة ملايين مصري إستضافتهم العراق الشقيق ووفر لهم فرص العمل المناسبة وبمرتبات أعانتهم على بناء مستقبلهم ووفرت لهم حياة كريمة في أوطانهم فيما بعد, ونسوا أيضاً معاملة الشعب العراقي بالمحبة والإخاء ودمجهم في الجسد العراقي بإختلاط الدماء والأنساب والتجنس, ورغم إختلافنا مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلا أننا لا نستطيع أن ننكر حمايته للمصريين بقانون أصدره يمنع التعرض لهم وحق الشكوى في أي مخفر شرطة عند إساءة معاملتهم بأي شكل, وعندما لجأ المواطن العراقي البسيط لوطنه الثاني مصر لم يجد سوى نكران الجميل وعبس الوجوه والإتهامات المرسلة, ولم يختلف الحال كثيراً بالنسبة للمواطن السوداني, فلاقى من العنصرية ضد بشرته مالم يلاقية أجداده من المستعمر الأجنبي وتجار العبيد الأمريكيين, وصار تجول السوداني في شوارع القاهرة بمثابة مسيرة عذاب يسوعية يتفنن فيها الشباب المصري بإذاقته كافة صنوف السخرية من بشرتة ولغته وعاداته وتقاليده, وأصبح السوداني مرادف لسوء السلوك وضحالة المكانة والإستعداء الغير مبرر, حتى تجارة الشنطة وبضائع الارصفة التي يتكسبون منها قوت يومهم صارت هدفاً للمضايقات ووسيلة قهر وتعذيب تضاف لقائمة المعاملة السيئة, وليس ببعيد ما حدث في ميدان مصطفى محمود لمجموعة اللاجئين السودانيين الذين إعترضوا وإعتصموا إحتجاجاً على المعاملة الإنسانية التي لاقوها من النظام والشعب المصري معاً, وإذا تناولنا بالتحليل أسباب تلك الظاهرة الجديدة على مجتمعنا ليس تجاه الآخر الخارجي, ولكن أيضاً للآخر الداخلي, سنجد أنها تنحصر في عدة أسباب أدت لتفشيها بتلك الصورة المخجلة لتاريخ وعراقة وسعة صدر مصر على مر آلاف السنين :

1 – شعور المواطن المصري بالمهانة الدائمة داخل دولتة عن طريق النظام الحكومي من شرطة وموظفين أو بسبب التقسيم الطبقي ذو التفاوت الرهيب الذي قلب المعايير وجعل السيطرة والقوة والإستحواذ على الفرص في يد فئة لا تتعدى ال 10% في مقابل أغلبية منسحقة تحت نير الفقر تعاني ويلات الإضطهاد والتفرقة وضياع الأحلام والإحباط واليأس والإكتئاب, أما خارج دولة فيعاني المصري من سوء المعاملة والعنصرية والإهمال والإستهانة سواء من جانب الشعب المستضيف إذا كان عربياً شقيقاً أو من سفاراته في دول العالم المختلفة, ولولا هوان المصري على حكومته ما عاملته شعوب الأرض وخاصة الخليجية منها هذه المعاملة الغير كريمة على الإطلاق, كل تلك العوامل أدت في النهاية لأن يعامل المصري الأجنبي في دولته بنفس القدر من الكراهية والإستعلاء الذي يعامل به داخلها وخارجها, كذلك وجدها فرصة سانحة للرفع من شأنه الذي تحقّر كثيراً من أبناء وطنه قبل أبناء الأوطان الأخرى.

2 – وجود الأجنبي في مصر فرصة لتعليق كافة مشاكل الشعب المصري وحكومته سواء إقتصادية أو إجتماعية على شماعة "إنها أخطاء الغير وليست أخطائنا", وتتجلى تلك الظاهرة بوضوح في أزمة العقارات الأخيرة, فبدلاً من توجية الإتهامات نحو الشركات التي إحتكرت الأسمنت أو صناعة الحديد التي تحتكرها شركة بعينها مما أدى إلى رفع سعر كلاً من المنتجين إرتفاعات متتالية ومتصاعدة أثقلت كاهل السوق العقاري وضاعفت من أسعار الشقق والعقارات إتجهت الإتهامات دون أي أدلة على اللاجئين العراقيين الذين يُتَهمون بأنهم السبب الرئيسي في تلك الإرتفاعات بقدرتهم على الشراء بأسعار أعلى من المشتري المصري, وينسى أصحاب الإتهامات المرسلة أن تركز الشراء كان في عدة أحياء قاهرية بعينها وليس على مستوى الجمهورية بأكملها, وهو ما قد يرفع الأسعار في تلك المناطق فقط وليس على السوق العقاري المصري بأكمله.

3 – حالة رفض الآخر الناتجة عن الجهل بأبسط أصول الديموقراطية والحرية المدنية وحقوق الإنسان, وهي نتيجة طبيعية لتعليم سيء وغياب ديموقراطي في الحياة السياسية وتطرف ديني يلغي الآخر وينتهز أي فرصة للإقصاء والتفرقة والتكفير في أحيان كثيرة, حالة رفض الآخر لا تقف عند حد الآخر الأجنبي, ولكنها تمتد للآخر الديني والمذهبي والطائفي, وهو ما حدث بالضبط مع الشيعة العراقيين والمسيحيين السودانيين, وهو أيضاً ما زاد من معاناتهم وتزايد معدلات كراهياتهم, وهو ما يذكّرني بصديق كان يعاني دوماً من مشكلة لا حل لها, فإلى جانب كونه مسيحي الديانة فهو شيوعي الإتجاه أيضاً, ودوماً كان يردد مقولة أنه مكروه على جميع الأصعدة سواء من الناحية الدينية أو السياسية, ولو تحلى المجتمع ببعض الصفات الديموقراطية الإنسانية من قبول للآخر والإعتراف به بدلاً من سياسة قتل المرتد وتدمير المعارضة وتخوين من يقول رأياً مخالفاً لما وصلنا لهذا الدرك العميق من الكراهية والبغض والفردية العقيمة.

الخميس، 18 أكتوبر، 2007

اذكى نظام حكم على وجه الارض



دأب المصريين خلال ربع قرن مضى على محاولة الوصول لشكل معين لنظام الحكم الذى يسيطر على مقدرات حياتهم ويتحكم فى صغائر امورهم ودقائق مصائرهم, ودأب النظام المصرى الحاكم اكثر فى اخفاء معالمه وطمس ملامحه مستخدما طرق ووسائل ادت لاعتباره من اذكى نظم الحكم الشمولية الديكتاتورية على وجه الارض, وعن طريق تلك الوسائل سيطر نظام الحكم على المصريين واعطى صورة مشرقة لنفسه فى المجتمع الدولى وكمم افواه المسئولين وذوى الخبرة واعطى ظهره لكل شريف ونظيف وقادر على العطاء لبلده مفسحا الطريق للفشلة ومعدومى الكفاءة والمزورين والبلطجية واعتبارهم من خلال وسائل اعلامه الافضل والاكفأ والاقدر على القيادة والمسئولية.

وعلى مدى 26 سنة برع نظام الحكم فى استخدام وسائل وطرق شتى مكنته السيطرة على الشارع المصرى بامتياز, وصدّرت صورة ديموقراطية زائفة لاوروبا والولايات المتحدة الامريكية عن طريق واجهات تشبه واجهات الديكور السينمائية الكرتونية, وسنستعرض فيما يلى بعض تلك الديكورات والوسائل والطرق التى اُعتبر بفضلها نظام ذكى بارع فى فنون المراوغة والخداع والتزييف ...

1 – سياسة العصا والجزرة :

كيف تحيّد مسئول تحتاج سكوتة وفى نفس الوقت تتقى شرة حتى بعد خروجة من منصبة ؟

سياسة العصا والجزرة السياسة الامثل والانجع فى والتى ثبت نجاحها الساحق فى الاغراء بذهب المعز او التلويح بسيفه, وتنطبق تلك السياسة على رجال الحكم والحكومة من ناحية وعلى الادباء والمثقفين والعلماء والفنانين من ناحية اخرى, فكم رأينا من قيادات حكومية تدافع عن الباطل بالباطل, وتجمّل وجه النظام باسوأ المساحيق واردأها مفعولا, انها نفس السياسة التى نرى اّثارها على مسئول سكت دهرا ونطق كفرا, عندما قال"ينبغى ان يترك قدامى قيادات الحزب الوطنى اماكنهم لتجديد دماء الحزب." مع العلم ان قائل تلك العبارة هو السيد صفوت الشريف, ولا داعى للتعليق, وقيل ويقال وسيظل يقال لحين, ان كل مسئول فى الحكومة او الحزب لديه من السيئات والفساد ما يكفى لفضحه وتجريسه وتشويهه اذا ما فكر مجرد تفكير فى الخروج عن سياسات الجهة التى يتبعها, اما عن المثقفين المعاصرين, فيتفاخر وزير الثقافة ( فاروق حسنى ) بكونه نجح فى ضمهم لحظيرته الثقافية دون معارض يجرؤ على توجيه قلمه الادبى فى وجه وزارته, ولطالما سيطر وزير الاعلام السابق صفوت الشريف على الفنانين بشكل شبه مطلق لا خروج فيه عن النص, والوسيلة معروفة, لدينا العصا ولدينا الجزرة, فايهما تختار عزيزى ؟

2 – ديكور ديموقراطى متقن :

تخيل دولة بها برلمان قوى, واحزاب تعدت العشرون حزبا, ومجلس حقوق انسان, وصحافة حرة, وانتخابات رئاسية متعددة, وانتخابات مجلس شعب وشورى ومحليات نزيهة, دولة بها كل تلك المقومات الديموقراطية وتوصف فى النهاية بالديكتاتورية ؟ مستحيل ! ديكور ديموقراطى غاية فى الاتقان, يستحق التحية, برلمان قوى بسيطرة الحزب الوطنى عليه سيطرة كاملة ( ليس شبه كامله حتى ), احزاب لا تقوى على رفع صوتها فوق صوت امين شرطة فى مباحث امن الدولة, مجلس حقوق انسان يتغاضى عن التعذيب وبلطجة وزارة الداخلية ويهتم فقط بالبدلات والمكافاّت والتلميع الاعلامى, صحافة حرة على شرط, الا تقترب من الرئيس, وعائلته, وحزبه, ورجال حزبه, واصدقاء رجال حزبه, والرئيس الامريكى !, انتخابات رئاسية متعددة, بالطبع متعددة, لك الحق فى الاختيار بين الرئيس, او الرئيس, او الرئيس, او بابن الرئيس بعد عمر طويل, اما عن انتخابات مجلس الشعب والشورى والمحليات فحدث ولا حرج, ضحايا وبلطجية وارهاب ومنع انتخاب واضطهاد ورشاوى بالجملة, والاهم, لا لتدخل القوى الاجنبية ممثلة فى الرقابة الدولية على الانتخابات لان ذلك يعد تدخلا فى الشئون الداخلية المصرية, عكس تدخل الولايات المتحدة فى رسم السياسة الخارجية المصرية’ لان ذلك يعد تعاونا مع دولة صديقة لا اكثر, انها الخدعة الاكبر التى يمارسها باحتراف النظام المصرى العبقرى, صورة وردية للخارج, واسود من فحم الكوك فى الداخل ...

3 - استخدام الدين فى السياسة :

الخدعة الاقدم فى التاريخ, ان تحكم باسم الخالق عز وجل, ان تستخدم الكتب المقدسة فى تبرير افعالك الدنيئة التى يتبرأ منها اى دين, ان تخدّر الشعب كلما سنحت فرصة من بعيد لان ينشغل بالسياسة ويطالب بحقوقه المهضومة بامور دينية ما انزل الله بها من سلطان, ان تستدعى الشيوخ الاجلاء المسئولين عن الحياة الدينية فى مصر ليفتوا مثلا ب ( كاتم الشهادة اّثم قلبه ) او( طاعة الحاكم واجبة طالما شهد ان لا اله الا الله ), ولا يجروؤن باى حال من الاحوال على الافتاء بان تعذيب الانسان لاخيه اثم, او ان تزوير الشهادة حرام, او ان ظلم الحاكم مفسدة للدولة, او ان الرشوة والواسطة والفساد المالى والادارى اّفة تفسد القلوب والعقول وفعلها يدخل تحت اطار الجريمة, والانكى والاكثر مدعاة للسخرية ان تعلن الدولة للمجتمع الدولى انها دولة علمانية لا تخلط الدين بالسياسة وفى نفس الوقت تزايد على التيار الاسلامى فى تطرفهم واستخدامهم للفتاوى لصالحهم حتى فى قضية مثل الحجاب, عندما ثار اعضاء الحزب الوطنى على وزير الثقافة بسبب تصريحاته بشأن الحجاب بصورة اكبر واقوى واعلى صوتا من نواب الاخوان المعروف موقفهم مسبقا من تلك القضية, تظهر الحكومة دوما ممسكة فى احدى يديها بالمسبحة المطعمة بفضائل الدين وحكمته, فيما تمسك فى اليد الاخرى بمفاتيح خزائن الدولة الجاهزة دوما للسلب والنهب والهرب للخارج فور اتمام العملية.

4 – قضاء مستقل صوريا :

يتشدق اعلام النظام المصرى دوما بقضاءه المستقل عن السلطة التنفيذية بكل فخر واعتزاز, يطالب رجال القضاء انفسهم باستقلاله وبيان تبعيته للسلطة التنفيذية بالقوانين والافعال, فيرد النظام المصرى بكل عنجهية (القضاء المصرى قضاء مستقل تماما), يسجن ايمن نور بحكم سياسى, يسجن خمس روؤساء تحرير بحكم سياسى, يتحكم وزير العدل فى القضاة وناديهم, يهين رئيس مجلس الدولة بتشبيه رهافة روح الرجل عندما بكى تأثرا بزميله الذى رفض الوزير علاجه بانه يبكى مثل الفنانة الراحلة امينة رزق, يستمر اعارة رجال القضاء للعمل كمستشارين, يستمر الحصار المالى على ناديهم الموقر, ومع ذلك, القضاء المصرى مستقل, تلك التصريحات التى تبرز مدى استلالية القضاء هى نفسها التى تستفز القضاة اكثر ليعلنوا ان القضاء غير مستقل ويطالبوا باستقلاله, ويستمر النزال والسجال بين القضاء ووزارة العدل والنظام, وتستمر الصورة الوردية عن استقلال القضاء المصرى تصدّر للخارج, ودوما الخاسر الشعب المصرى المهضوم حقه.

5 – وسيلة الفقر والجهل تبررغاية البقاء :

نظرية المؤامرة الازلية تقول ان النظام يتعمد افقار وتجهيل الشعب حتى يظل مسيطرا عليه اطول فترة ممكنه, ويستشهد اصحاب تلك النظرية باصرار النظام على تثبيت نسبة الامية 52%, وزيادة معدل ارتفاع الاسعار عن الاجور, وتدهور التعليم لدرجة ان كثير من الطلاب الجامعيون لا يستطيعون كتابة جملة واحدة دون اخطاء "املائية" مخجلة, وتفشى فكرة كره العلم والثقافة والمساعدة على تحقيرهم بابرازهم بمظهر المجانين او المهاويس فى الاعلام الحكومى حتى ينفر منهم الشعب ويستمر على جهله معتقدا ان الجهل نعمه, تلك الاسباب لم تاتى من فراغ, هى نتاج عقود من التجهيل واحتقار العلم وازدراء المعرفة والسخرية من الثقافة والمثقفين والاعلاء من الفكر الدينى الخرافى الغيبى الذى لا يصلح اطلاقا لعصرنا الحالى الذى يفرض علينا مجاراته بالعلم والبحث العلمى الصارم وليس بكتب القدماء وفتاوى شرب بول الابل وارضاع الكبير, والاسوا ان الدولة قضت تماما على اى تواجد سياسى او ثقافى داخل المؤسسات التعليمية, وهو ما ادى لتغييب عقول الطلبة تماما وتوجههم لكل ما يشغل وقتهم دون معرفه حقيقية, اما الطامة الكبرى, فتتمثل فى تحويل التعليم من تجريب واستنباط واستنتاج وفحص ومشاهدة الى حفظ وصم وقىء معلومات وغش متفشى ورشاوى مقننة ودروس خصوصية تبتلع مليارات سنويا وبابطرة مليارديرات يعرفون من اين تؤكل كتف الامتحانات ومن اين تؤكل جيوب اولياء الامور, تلك الآفة التى انتشرت وبضراوة فى المؤسسة التعليمية قضت تماما على البحث العلمى وانهت قدرة الطالب على التخيل واعمال العقل واعلت من شأن الاستسهال وجمود الفكر والتدنى بالوعى لدرجة الانحطاط, وهو المطلوب كما يرى اصحاب نظرية المؤامرة, فكلما توقف الخيل وتدنى الوعى, كلما زادت السيطرة وغابت المطالبة بالحقوق وانتشر الخنوع وتفشى النفاق, والاسوأ انه باهمال التعليم وتعمد تجاهل المتفوقين, بل وعقابهم على تفوقهم كما حدث مع عبد الحميد شتا, الشاب المتفوق الحاصل على المركز الاول على خريجى دفعته من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الذى انتحر لان وزارة الخارجية رفضت تعيينه نظرا لسوء حالته الاجتماعية, وهو ما يعود بنا لنقطة الفقر مره اخرى, فالاهالى يعتقدون انهم اذا ساعدوا ابنائهم على التفوق فان هذا سيؤدى بالضرورة لتفوقهم العملى, لكن الذى يحدث العكس تماما, فيضيع امل الاسرة, وينضم الشاب لطابور العاطلين مع زملائه الغير متفوقين وانصاف المتعلمين, وتزداد الاسرة فقرا, ويزداد الاحباط والياس والمعاناة, فتنشغل الاسر بمصائبها ويتركون اصل المصائب بلا حساب ولا عقاب, اذا كان معك صندوق به كتاكيت واردت اطلاقها, فلن تتمكن من تجميعها مرة اخرى, اما اذا رججت الصندوق جيدا ثم اطلقتها, ستجدهم دائخين مترنحين ويسهل السيطرة عليهم, نصيحة قدمها الاب للابن.

6 – تقديس رموز الحزب الحاكم :

لم تستخدم دولة حديثة مفهوم خلط النظام بالدولة كما استخدمته مصر, هنا الدولة الوحيدة التى اذا اسأت فيها لشخصية حزبية او حكومية ايا كانت تُتهم انك تسىء لسمعة مصر, دولة تختصر تاريخها وعراقتها في شخصيات يتضح بعد حين فسادها وديكتاتوريتها وسواد تاريخها, فإذا رفعت دعوى على وزير ما بأنه السبب في سرطنة إنتاجنا الزراعي يتم إتهامك بالطعن في شرف مصر ويُمنح هذا الوزير وسام من رئيس الجمهورية تقديراً لجهوده وعناداً في ضحاياه ومن كشفوا جرائمه, وإذا أوضحت التقارير والمستندات فساد وزير إسكان سابق بوضوح وبلا مواربة, يتم تكريمه بل وحبس الصحفيين الذين عانوا الامرين في سبيل كشف فساده والحفاظ على أموال الدولة وممتلكات الشعب, وهي رسالة أدت مفعولها على أكمل وجه, وصار نقد الوزراء و(رموز الحكم) كالخوض في في حديقة أشواك غير مأمون عواقب إقتحامها.

7 – الشعارات الزائفة هي الحل :

كم مرة سمعنا العبارة الخالدة (أزهى عصور الديموقراطية) من خالد الذكر (مع الإعتذار للزعيم عبد الناصر) صفوت الشريف ؟ متى آخر مرة صدمت طبلة أذنك عبارة (لم يقصف في عهده قلم ولم تغلق في حكمه جريدة) ؟ كيف وجدت طريقة للهرب من العبارة المبتذلة (إهتمامنا الأول والأخير بمحدودي الدخل) ؟ هل بحثت يوماً عن (التنمية والرخاء والرفاهية قادمون بعد الطفرة الإقتصادية الهائلة في الفترة الأخيرة) ووجدتهم ؟ إنها حبوب المسكنات التي بدونها يغلي البسطاء ويثورون لو لم تطمئنهم بها الدولة من وقت لآخر, ورغم أن المواطن المصري البسيط يعلم تمام العلم أن من يقولها نفسه لا يصدقها, فهو يطمئن نفسه في النهاية أن الحكومة (بالتأكيد) تعرف أفضل منه ويهمها في النهاية مصلحته وهم أعلم بشئون حكمهم, تلك الشعارات بالتحديد تعد علامة بارزة في نظام الحكم المباركي, يستعملها الحاشية وأعمدة النظام من وقت لآخر رداً على من يحاولون تصحيح الأوضاع وفضح الممارسات الديكتاتورية, وهم يستخدمونها على طريقة رداء السلطان الذي لا يراه أحد, وعندما يبرز الطفل الصغير الذي يقول بكل شجاعة أن السلطان عاري تماما, يُتهم بأنه أعمى العين والقلب ولا يرى بهاء وعظمة الزى السلطاني الفريد.

حزب الإخوان–كيف تتوازن سلطات الدولة المختلفة مع لجنة ظل الله على الارض ؟


كثيرون هم من إعتقدوا أن الأخوان تطوروا فكرياً وتقدموا تنظيمياً وتهيئوا للحياة المدنية الديموقراطية بكل ما تعنيها من معانٍ سامية وبكل ما تحملها من مسئوليات وطنية وتقبل للآخر وإلغاء كامل للدوجما السياسية, ولكن هيهات, فقد أظهر البرنامج الحزبي للأخوان نوع جديد من الديموقراطية لم نشهده من قبل, ديموقراطية تعتمد بشكل شبه كامل على مجلس فقهاء ديني منتخب بعناية من قبل الهيئة الدينية نفسها ! له الحق في مراجعة السلطة التشريعية في كافة القوانين التي تناقشها لتحديد ما إذا كانت ملائمة للشريعة الإسلامية أم لا ؟ بل وله الحق أيضاً في مراجعة القرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية والتي تكون لها قوة القانون في حال تعطل السلطة التشريعية, ولا يكتفي الإخوان المسلمون بتلك الديموقراطية الدينية الجديدة, بل ويضعون علماء التخصصات الدنيوية (هكذا أسموهم) في مكانة مستشارين ليس أكثر للهيئة الدينية الحاكمة, وهو بتلك الملحوظة يضع كل أدوات العلم بعد الرأي الديني الذي يأخذ المكانة الأعلى فى الحكومة الأخوانية الديموقراطية المدنية !

"تطبق مرجعية الشريعة الإسلا مية بالرؤية التي تتوافق عليها الأمة من خلال الأغلبية
البرلمانية في السلطة التشريعية المنتخبة انتخابًا حرًا بنزاهة وشفافية حقيقية دون تدليس ولا
تزوير ولا إكراه بالتدخل الأمني المباشر أو المستتر ، والتي تتم تحت رقابة المؤسسات المدنية
داخلية وخارجية وبعيدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية . ويجب على السلطة التشريعية أن تطلب
رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة على أن تكون منتخبة أيضًا انتخابًا حرًا ومباشرًا من
علماء الدين ومستقلة استقلالا تامًا وحقيقيًا عن السلطة التنفيذية في كل شئونها الفنية والمالية
والإدارية، وي عاونها لجان ومستشارين من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء في سائر
التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحيدتهم وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية
عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية ورأي هذه الهيئة يمثل الرأي
الراجح المتفق مع المسلحة ال عامة في الظروف المحبطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة، قبل قرارها النهائي ويتم، بقانون، تحديد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضاء الهيئة) ص 10) ."

لم يكتفي الإخوان بهيئة دينية عليا حاكمة, وإنما اكملوا فصول الدولة الدينية الصِرفة بجعل المصدر الرئيسي للتشريع هو الشريعة الإسلامية, وهو ما يعطي الهيئة الدينية الحاكمة الحق في تغيير أي مادة يرون أنها لا تتفق مع الشريعة الإسلامية بحكم كونها مخالفة صريحة للدستور, وهو ما يعود بنا للنقطة تحت الصفر, وقد تتغير الحياة القانونية ومن ثمَ السياسية واجتماعية تماماً بناءاً على إستخدام علماء الهيئة ذلك الحق بلا رقيب ولا حسيب !

"إن النص في المادة الثانية من الدستور على أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة الإسلامية
هي المصدر الأساسي للتشريع ، لا يعني سوى التأكيد على مرجعية الشريعة الإسلامية إما
نصًا أو دلالة أو اجتهادًا وأن المخاطب بها هو السلطة التشريعية ورئيس الدولة في كل ما
يصدر عنه من قوانين أو قرارات أو سياسات داخلية وخارجية بحكم شمول وتكامل وأحكام
الشريعة الإسلامية وأن مقصدها العام الأساسي هو تحقيق المصالح المثلى للعباد في المعاش
والمعاد. ولكل ذي مصلحة – أيًا ما كانت – الطعن أمام المحكمة الدستورية على أي من هذه
القوانين والقرارات والسياسات بمخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية المتفق عليها من جمهور
الفقهاء المعاصرين المعتد بآرائهم (ص 10)."

تنتبه الجماعة لمأزق وجود الهيئة الدينية الحاكمة وسلطتها الانهائية, فتقوم بتجميل بعض جوانب البرنامج من عينة :

لحوار هو السبيل لتحقيق الوفاق الوطنى والثقة بين أبناء الوطن، وتحقيق التوافق أو
الإجماع ركيزة أساسية للشرعية الدستورية للنظام السياسي (ص11(."

وهي محاولة ميئوس منها لدعم الديكور الديموقراطي الذي تحاول الجماعة الظهور به أمام الرأي العام المصري, فكيف يكون الحوار هو السبيل في حين أن من يحاورني يدّعي أنه يملك الحقيقة المطلقة ويتمسك بنصوص لا مجال للجدل ولا النقاش بشأنها ؟ إنها الصفة الملازمة للدولة الدينية العتيدة, انهيار الحوار وسيادة المطلق وإستبداد الحكم, هل يستطيع أن يقوم حزب يعارض الإرادة الآلهية التي يمثلها حزب الاخوان ؟ من يستطيع أن يعدّل في الشريعة الإسلامية أو يلغي المادة الثانية تماماً ؟ أين الرأي المخالف لرأي من يمثل الكلمة الآلهية ؟ ماذا لو نجح حزب يساري أو شيوعي أو ليبرالي في الإنتخابات ونجح في إزاحة الحزب الناطق بإسم السماء, هل ستدعه القوى الثيوقراطية يحكم بغير شرع الله ؟

ومن المعروف أن من أبسط دعائم الديموقراطية الحديثة الفصل بين السلطات, وبما أن الإخوان يحاولون بكل السُبل تجميل برنامجهم الديني ببعض الرتوش الليبرالية, فقد انتبهوا لوضع تلك الجزئية التى تقول :

"استقلال وتوازن سلطات الدولة وتكامل مؤسساتها مع مؤسسات المجتمع المدنى، يمثل
السياسة الرئيسية التى تحقق استقرار الدولة".

كيف تتوازن سلطات الدولة المختلفة في وجود سلطة فوقية مانحة مانعة, بإمكانها تعطيل القوانين وشل أي حراك سياسي قانوني قد ينشأ من تفاعل السلطات الثلاثة المختلفة ؟ يدّعي واضع البرنامج الإخواني المجهول أن بإمكانه جمع التضاد وطرح قضايا لا يكن التوفيق بينها وضرب اكثر من عصفور بحجر وقسمة نظام الحكم لنصفين كالماء والزيت !

معضلة الإخوان الحقيقية أنهم يريدون تصدير عدة صور للمجتمع المصري والدولي لا تتوافق مع بعضها البعض, فهم الجماعة الديموقراطية المدنية التي تؤمن بحرية الرأي والتعبير وتتقبل الآخر وتحتوية ولا ترضى بغير سيادة القانون والدستور بديلاً, وفي نفس الوقت, هي الجماعة التي تتولى حماية الدين الإسلامي ولا تتنازل عن سيادة المقدس ولاترضى بولاية المرأة وغير المسلم وترى أن رأي فقهاء وعلماء الدين هو الأرجح والأعلم وتخلط الديموقراطية بالشورى رغم الفارق الضخم بينهما, ومع أن كثير من الأصوات الأزهرية والأخوانية ترى أن الحكم بالديموقراطية هو تقليد للغرب مرفوض وتخلي عن الهوية العربية الإسلامية غير مقبول بالمرة, إلا أن الجماعة ترى أن الديموقراطية هي نظام الحكم الأمثل من الناحية المدنية وفي نفس الوقت الشورى هي نظام الحكم الآلهي الواجب إتباعه في النواحي التشريعية والقانونية ! وبالطبع النتيجة معروفة, لن يرضى السلفيين والمتشددين عن الشورى بديلاً ولن يرضى المجتمع الدولي والمثقفين والسياسيين المصريين عن الديموقراطية المدنية نظام حكم آخر يحافظ على الحريات ويحترم الآخر ولا يتكلم بإسم الله.

" دولة تقوم على مبدأ المواطنة ...
مصر دولة لكل المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق
وواجبات متساوية، يكفلها القانون وفق مبدأى المساواة وتكافؤ الفرص.
ونعتبر المواطنة هي القاعدة التى تنطلق عنها المطالبة بالديمقراطية، ليس بغرض تداول
السلطة فحسب، بل بغرض ممارسة الديمقراطية، المتجاهل لمبدأ الأغلبية (ص12("

كيف تستوي المواطنة مع التمييز الديني ؟ كيف تستوي المساواة بين مختلف طوائف الشعب مع لجنة دينية إسلامية عليا تتولى شئون الحكم ؟ أين المواطنة مع عدم إمكانية تولي المرأة أو أى مواطن لا يدين بالإسلام منصب رئيس الدولة ؟ السبب الرئيسي لعدم تولي رئيس غير مسلم الحكم أنه لن يستطيع أن يحكم بشرع الإسلام كونه غير مسلم, ولكن السؤال هنا, لماذا من الاساس الحكم بالدين إذا كانت الدولة ليست مسلمة 100% ؟ وإذا حكمنا بالدين فقط, أين هي تلك الدولة المدنية الديموقراطية التي تؤمن بإحتواء الآخر ولا ترفضه في حين أنها تحكم مواطنيها بشريعة دين لا يدينون به ؟

"إن عدم تحديد شكل معين للشورى مع القواعد الإسلامية المقررة لتحقيق مصلحة العباد والبلاد يوجب علينا أن نأخذ بأحسن ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية في ممارستها الديمقراطية فى عصرنا الراهن من أشكال وقواعد وطرق إجرائية وفنية لتنظيم استخلاص الإجماع وتحسين ممارسة السلطة وضمان تداولها سلميًا وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية فيها وتفعيل المراقبة عليها )(ص14("

إذاً نحن متفقين على أنه لا يمكن تشكيل نظام حكم كامل بالشورى فقط ويجوز الأخذ من نظم الحكم الديموقراطية ! فإذا لم نستطع تطبيق نظام حكم ديني كامل في عصرنا الحالي, فكيف نُصر على إستخدام ما نريده من نظام الحكم الإسلامي ونأخذ الباقي من نظم الحكم التي يعتبرها متشددي الجماعة والأزهر نظم كافرة وضعية لا ترقى للنظم الآلهية ؟ ما يحدث هو أن الجماعة (ترقّع) نظام حكم بالتفصيل على مزاجها الشخصي, ترضي به المتشددين والمسلمين البسطاء, وفي نفس الوقت تكسب ود الغرب والسياسيين والمثقفين المصريين, والترقيع بتلك الطريقة سيؤدي في النهاية للتخبط والفوضى إلى أن نصل لسيادة احدهما على الآخر, وفي تلك الحالة تحديداً سيسود التشدد على التسامح, والتمييز على المساواة, والتفرقة على المواطنة, وظل الله على الارض على مجلس الشعب, وهو ما لا نرضاه لمصر ولا لشعبها.

فهل حان الوقت لمواجهة من يريدونها فتنة طائفية ويتمنون العودة لديكتاتورية الحكم الديني ؟

الخميس، 20 سبتمبر، 2007

هل اصبح شهر رمضان رمز للنفاق الدينى والمزايدة ؟


ومن عجائب الامور فى مصرنا المحروسة ان تجد ارقى درجات التناقض وانفصام الشخصية فى ايام شهر رمضان المبارك ! يكاد العقل يذهب واللب يرتبك من المشاهدات العبثية التى تتجلى فى اوقات الصيام وما بعد الافطار, اينما نظرت حولك تجد اناسا لا يفارق المصحف الشريف ايديهم, يتكلمون عن مكارم اخلاق الصائم وفضل صوم الستة البيض ورائحة فم الصائم التى يحبها الله, يحاضرون بعضهم البعض فى اصول الدين ويتبادلون الخبرات القصصية والسمعية والفضائية فى احاديثهم دون كلل او ملل, تشعر انك فى المدينة الفاضلة من فرط التقوى والورع الذى يتمتع به اهل المحروسة الصائمون, تمتلىء المساجد بالمصلين, يتردد القراّن على مسامعك فى كل شبر, ولكن على الناحية الاخرى تدور فى مخيلة المشاهد لتلك المظاهر الايجابية عدة اسئلة, اولها واهمها, لماذا يتكلم اهل مصر عن الاخلاق والدين فقط دون ان يطبقوا ايا منهما ؟ لماذا تزداد الدعوى لمكارم الاخلاق فى شهر رمضان الكريم فقط ؟ لماذا تزداد حدة النفاق الدينى (الزائدة عن الحد بالاساس) خلال شهر الصوم ؟

تحضرنى هنا مقولة الامام محمد عبده عندما عاد من اوروبا بعد فترة اقامة ودراسة وذهل مما راّه هناك من نظام وفضائل جعلته يقول (رأيت اسلام بلا مسلمين, وهنا مسلمين بلا اسلام), مقولة مختصرة فيها حل لكثير من المشاكل التى يواجهها المجتمع المصرى, قديما وحديثا, فنحن نشكل ما يسمى باللهجه الشامية (جعجعة بلا طحن), نتكلم ونتصايح ونحاضر بعضنا البعض دون ان يطبق المتكلم مواعظه, ودون ان يتلقى المستمع تلك المواعظ بوعى وحس مسئول, واذا كان من حق المستمع الا يطبق كل ما يقال له بحكم ان الانسان بطبعه لا يستسيغ ان ينصحه او يعظه احد, فمن الاولى بالواعظ ان ينتبه لتصرفاته التى تسيء بالاساس لوعظه وما يستخدمه فى الوعظ, وكثيرا ما رأيت اثناء قيادتى السيارة فى شوارع مصر اناس بلحى وعلامة الصلاة تزين جباههم ومع ذلك لا يتورعون عن الشتم والسب واستخدام الالفاظ النابية اذا اخطأوا او اخطأت, كذلك نجد اصحاب الفكر السلفى يقومون بافعال فى تجارتهم تجعلهم دوما محل شك من المتعاملين معهم لدرجة ان شهرتهم فى الغش التجارى اصبحت ملازمة لمظهرهم السلفى, والادهى والامر ان تحدث مثل تلك الافعال فى شهر رمضان, وهو ما يرجعنا لتساؤلنا الاساسى, اين الاخلاق والدين مما يفعلون ؟

الغريب فى الامر اننا نجد تلك الدعاوى تزداد بشكل ملفت فى شهر رمضان, مع العلم بان الصائم مطلوب منه التحلى باكبر قدر ممكن من ضبط الاخلاق والالتزام بالدين, فهو لا يحتاج لنصح او ارشاد من الاساس, ولكنها الرغبة المحمومة للتيار السلفى فى السيطرة على عقول المصريين باستغلال حبهم الجارف لشهر رمضان, لهذا تكثر حركة الدعوة وتنشط بقدر المستطاع خلال ثلاثون يوما تكون بمثابة الماراثون لضم اكبر عدد ممكن من الشباب الصائم لحظيرة الفكر الوهابى, والاستيلاء على عقولهم وتحريكهم كيفما يشاوؤن فيما بعد, وبالطبع التمويل النفطى موجود وجاهز وبلا حدود, فهل يدخل استغلال الشهر الكريم فى غسيل الادمغة ضمن مكارم الاخلاق وفضائل الدين ؟

اما الطامة الكبرى التى نلاحظها خلال تلك الايام المباركة, فهى تغول النفاق الدينى فى كل مظهر من مظاهر الحياة حولنا, فنرى من لا يصلى فى المعتاد يواظب على صلاة الجماعة صلاة بصلاة, ونجد الفتيات الغير محجبات وقد ارتدين الحجاب وبجميع اشكاله, ونجد من لا يعرف شكل القراّن طوال العام وقد اصبح لا يفارقه فى صحوة ومنامه, ونفاجىء بمن يعيث فى الارض فسادا وقد اصبح من اولياء الله الصالحين, كل تلك المظاهر لا شك فى ايجابيتها, فقط اذا استمرت, ولكن ان تصبح مجرد اقنعة زائفة تذوب وتزوى وتذهب بلا رجعة مع اول ايام عيد الفطر, فهذا هو النفاق بعينه, واذا خُيرت بين ان تنتشر تلك المظاهر فى رمضان فقط او يستمر كل امرء على حاله لاخترت الخيار الثانى منعا للنفاق الدينى وخداع النفس والآخرين, وحقا لا اعرف كيف يجد الانسان الجرأة ليغير من مبادئه مرتين خلال شهر, مره فى اوله حين يلتزم بما لم يكن ملتزما به من قبل, ومره اخرى فى نهايته حين يتخلى عن الالتزام الذى التزم به فى بدايته ليعود لسابق عهده, فمن جهة يريد الفرد ان يظهر بمظهر المتدين خلال شهر الصوم حتى لا يضيع عليه اجر الصيام, او حتى لا يقال عنه انه غير متدين حتى فى شهر رمضان, ومن ناحية اخرى يريد وبشتى الطرق ان يزايد على من حوله, فعندما يجد زميله فى العمل يقرأ القراّن يقلده ولكن بمزايدة رفع صوته, وحينما يجد جيرانه يصلون العشاء والتروايح بالمسجد المجاور له يقوم بنفس الفعل حتى لا يقال عنه انه اقل منهم تدينا, وتلك المظاهر تجعل التدين فى النهاية مجرد وسيلة وليس غاية, الهدف منها التلميع الشخصى والنفعية, ومع ذلك نجد من بعض الاصوات السلفية من يعلّى من قيمة المظهر على الجوهر, ويشدد على التمايز سواء بالزى او الفعل او القول, ويجرؤ على الاحتفاء باللحية والمسواك بغض النظر عن الشرف والاخلاق, فهل يصبح شهر رمضان مجرد وسيلة اخرى من وسائل النفاق الدينى ؟ هذا ما نراه, وما لا نتمناه.

الاثنين، 10 سبتمبر، 2007

عقل جديد لعالم جديد – رؤية تحليلية للعقل المصرى المعاصر


عند غلقك دفتى كتاب ( عقل جديد لعالم جديد ) للكاتبين الامريكيين روبرت اورنشتاين وبول ايرليش, سينتابك احساس قوى بأنك تنظر للعالم من حولك بطريقة جديدة لم تعهدها من قبل, تنظر لادق التفاصيل من زاوية ستعجب انك لم تنتبه لوجودها فى عالمك الصغير, وحياتك القصيرة نسبيا, يرصد الكاتبين بعض الملحوظات بذكاء بالغ وبأسلوب غاية فى البساطة وبروح ثورية تقلب عالمك رأسا على عقب فى سلاسة ونعومة, وفى خضم اندماجك فى ثنايا ما يعرضه الكاتبين من تحليلات ودراسات وتجارب, تفاجأ بصدمات متلاحقة تفيق منها على جرس انذار بالغ الخطورة ينبهك لضرورة تغيير نظرتك للواقع من حولك ومواكبة تطور الحضارة الانسانية بكل مستجداتها قبل فوات الآوان ....

ورغم ان الكتاب يتناول عدة موضوعات بالغة الاهمية فى تطوير وعى الانسان وتنبيهه للاخطار المحدقة المحيطة به الا انه لفت نظرى عدة نقاط تتعلق بنظرتنا لحياتنا اليومية بشكل اعمق واعم من تلك النظرة التى اعتدناها لدرجة الادمان واللامبالاة, وهى تتلخص فى الآتى :

1 – "هنا نقطتان توضحان طبيعة العقل اللامتوافق, الاولى ان ذاكرتنا ليست دقيقة على الاطلاق, وان هناك تحيزا فى الذاكرة يبسّط, قبل كل شىء, ما نتذكره, اما الثانية فهى ان الامور البالغة الخطورة تتراجع بسهولة الى خلفية ذاكرتنا لتحلّ محلها اهتمامات ثانوية عابرة."

كما نرى من الاقتباس السابق ان الكاتب يركّز على نظرة الانسان لما يجرى حوله بطريقة لا تتوافق على الاطلاق مع درجة خطورة الحدث, وهو هنا يشير الى ان الانسان المعاصر يرى فقط الامور البسيطة اليومية التى قد لا تشكل خطرا عليه فى حين يتغاضى عقله عن الاحداث الجسام التى قد تؤثر عليه بشكل مباشر, وهنا نتذكر معا كيف يجذب انتباهنا حدث مثل القبض على موظف كبير مرتشى او الايقاع بعصابة لسرقة كابلات الكهرباء ومن الممكن ان يتحول حدث مثل هذا الى قضية راى عام تشغل بال المجتمع لفترة ليست بالقليلة, فى حين ان سرقة مليارات البنوك والهرب بها او الاستيلاء على اموال التامينات والمعاشات قد لا يجذب انظارنا رغم خطورته الا لماما فى الصحف عبر اخبار اصبحت معتادة لدرجة عدم اثارة اى شعور اتجاهها, وهو ما يقودنا بالضرورة لاهتمام الاعلام بشكل مبالغ فيه بقضية الختان واعتبارها قضية دولة فى حين يتغاضى نفس هذا الاعلام عن قضية خصخصة التأمين الصحى التى قد تشكل خطرا داهما على ملايين المواطنين وبشكل مباشر سواء اقتصاديا او صحيا او اجتماعيا, وفى استطلاع للرأى حكومى مؤخرا حول قضية التأمين الصحى, اعرب 82% من المشاركين انهم لا يعلمون عن الموضوع شيئا على الاطلاق !, وهو سلوك جديد على الانسان الذى اعتاد على الخطر المباشر من وقت حياته بالكهوف حين كان يفاجىء بالحيوانات المفترسة تحيط بكهفه وتهدده وجها لوجه, تغيرت نظرة الانسان لما يحدث حوله بشكل لا يتوافق اطلاقا مع درجة الخطورة, وتبرز تلك الظاهرة بشكل واضح فى الانسان المصرى الذى اصبح لا يرى ابعد من اسفل قدمية, بل وقد يتغاضى عن مايراه فى الافق حتى يوهم نفسه بانه بخير وان القادم بالتأكيد سيكون افضل.

2- "إننا نرسل الطائرات المقاتلة النفاثة للقبض على الإرهابيين الذين قتلوا رجلا واحدا, لكننا لا نحرك إصبعا واحدا لننقذ اّلاف العائلات المنكوبة, او لتحسين حياة الكثيرين ممن اصيبوا بعاهات مستديمة وفقدهم المجتمع, قد يبدو الامر منافيا للعقل شاذا, لكن الناس يهملون الاخطار الثابتة المألوفة بالحياة اليومية, بل وحتى التى تهدد بالموت."

وهو ما نراه بوضوح فى مجتمعنا المصرى حاليا, فاذا حدثت جريمة قتل منظمة لتسعة اشخاص مثل مذبحة بنى مزار ينتفض المجتمع وتتحول القضية للصفحات الاولى بالجرائد وتتكلم عنها الفضائيات بحماسة منقطعة النظير, اما اذا تناولنا مشكلة مرضى الفشل الكلوى وفيروس الكبد الوبائى نجد انها اخبار عادية لا تشكل اى اهتمام لدى المواطن المصرى العادى رغم ان ضحاياها "يوميا" اضعاف حوادث القتل مجتمعة التى تنشر فى صفحات الجرائد بطول الجمهورية وعرضها !, كذلك نرى كيف اهتم الراى العام المصرى بقضية الطفلة هند المغتصبة اهتمام غير عادى, فى حين تجاهل تماما مجمل حوادث الاغتصاب والتحرش الجنسى التى تحدث يوميا وبشكل مرضى, والاهم انه تجاهل الاسباب التى ادت لكل تلك الحوادث سواء الاسباب الاجتماعية او الاقتصادية او النفسية, ويشير الكاتبين هنا الى ان ذهنية الانسان المعاصر لا تسمح بالاهتمام "بالكل" لان الكل لا يُرى ضررة مباشرة "كالجزء", وهو ما نراه مرة اخرى فى حادثة انتحار مهندس وابنتاه لانه لم يستطع توفير قوت يومه لاسرته, تلك الحادثة التى استحوذت على اهتمام المجتمع المصرى نظرا لماّساويتها وطبيعتها الصادمة, فى حين تغاضى نفس المجتمع ووسائل اعلامه عن اّلاف من الجوعى وساكنى القبور ومن يعيشون على مخلفات الطبقات الراقية ومن ينتحرون نفسيا ويهيمون على وجوههم فى شوارع القاهرة بلا مأوى او مركز نفسى يعالجهم, نرى تلك الظواهر وقد تملكت من الانسان المعاصر فى كل العالم وليس فى مصر فقط, فيورد الكاتبين مثال يوضح ان تلك سمة من سمات العقل البشرى الحديث الذى لم يتأقلم بعد على واقعه السريع التطور, فيقولون "فى كل شهر يُقتل المئات من الامريكيين او يصابون إصابات بالغة بسبب عدم نفخ إطارات السيارات كما يجب, ونتيجة لسوء محافظتهم على عرباتهم, إن اهمية هذا بالنسبة لنا تفوق بكثير عملية إغتيال قد يقوم بها إرهابى, إنها لا تسجل الكثير فى عقولنا المكركتة ( التى يسيطر عليها كاريكتير بعينه ), إذ يندر أن يكون لنفخ الإطار من الإثارة مثل ما لاختطاف الباخرة أكيل لاورو, او إنفجار مكوك الفضاء تشالينجر, أو حتى عبور جسر معلّق متأرجح فوق هوّة", بالطبع, انها النظرة الخاصة التى يحددها ادراكنا القاصر, والتى لا حاجة لنا بها الآن فى ظل العولمة وغزو الفضائيات لبيوتنا والاخطار التى انتجتها الحضارة الانسانية نتيجة لتطورها المتسارع بوتيرة لا نستطيع اللحاق بها.

3 - "إن الحمل الزائد من المعلومات بالمجتمع الحديث, إنما يعنى أنه من المستحيل حتى على اذكى البشر واغناهم ثقافة أن يخزّن أكثر من جزء ضئيل من حضارة مجتمعنا."

تلك الملحوظة البالغة الذكاء تشير ان المجتمعات الانسانية فى طريقها للتخلف عن ركب حضارتها التى صنعتها باياديها وعقولها, ويكمل الكاتب فيقول "يقولون ان جون ستيوارت ميل كان اخر رجل يعرف كل شىء, وقد يكون هذا صحيحا فى تفاصيله, وقد لا يكون, لكن تعقيد حضارتنا, كما راينا, قد تضاعف بشكل فلكى خلال المائة سنة الماضية.", ونحن بدورنا نتساءل, اذا كان الكاتب يتكلم عن مشكلة المجتمع الانسانى ويركز فيه على المجتمع الغربى المتقدم المثقف على وجه التحديد, فماذا عن مجتمعنا المصرى الذى يصنف على انه مجتمع بدائى من العالم الثالث لا يملك رؤية ثقافية ولا اتجاه علمى ولا تعليم راقى ؟ هانحن فى بدايات القرن الحادى والعشرين ولازال مجتمعنا يولى جلّ اهتمامه للقشور والسطحيات والغيبيات, ويعتمد بشكل اساسى على الثقافة السمعية اكثر بكثير من الثقافة المقرؤة او المرئية, وهو لا يكتفى بكونه مجتمع غير مثقف فقط, انما يواصل انهياره بكونه مجتمع رافض للثقافة, ونابذ للعلم, ومزدرى لاعمال العقل, ساخر من اهل القراءة والبحث والدراسة, وحالة مثل مجتمعنا تحتاج من الجهد والوقت والصبر ما يفوق الخيال حتى يستوعب ركب العلم والتقدم التكنولوجى الغير مسبوق فى تاريخ البشرية.

فى النهاية نقول ان اهمية الكتاب تنبع من انه يصلح كوثيقة تقدمية ينطلق منها الانسان العصرى لتغيير رؤيتة ونظرتة للعالم من حوله, واهميتة تتضاعف مئات المرات للانسان المصرى الذى لا يعلم حقيقة مقدار التغيرات التى تحدث حوله, حتى التغيرات القوية التى يوليها بعض الاهتمام مثل ارتفاع درجة حرارة فصل الصيف والرطوبة الغير محتملة يعزوها عادة الى تفسيرات بدائية لا محل لها من الاعراب فى زمننا الحالى, مثل القضاء والقدر او كونها مجرد هبة ريح ساخنة قادمة من الجزيرة العربية, ولا يعرف بالطبع ان تلك التغيرات المناخية ليست اقليمية او داخلية بالمعنى الشعبى الشائع, انما هى تغيرات تحدث فى جميع انحاء العالم حاليا ويعكف خبراء الارصاد وعلماء البيئة على دراستها بشكل مفصل وجاد حتى يتم تفادى نتائجها الكارثية مستقبلا والتى سبق وحذر منها العديد من المتخصصين, واهمها على سبيل المثال ارتفاع مستوى البحار والمحيطات مما سيؤدى الى غرق دلتا نهر النيل بكامل ما عليها من بشر ومدن واراضى زراعية, وهنا تكمن الكارثة, ما يراه الانسان المصرى العادى مجرد ارتفاع طفيف فى درجات الحرارة يراه من يملك العقل الجديد المساير لواقع البشرى الحديث خطر جسيم نتائجه على المدى الطويل كارثية.

فهل ينتبه اهل الخبرة والثقافة لخطورة تيّبس العقل المصرى فى حدود عالمه القديم ؟

الأربعاء، 29 أغسطس، 2007

لن انافق


اتسم مجتمعنا المصرى فى الآونة الاخيرة بنفاق دينى ومذهبى غير مسبوق فى تاريخنا الحديث, انقسم المجتمع المصرى لفريقين, مسلمين مقتنعين تماما انهم خير امة اخرجت للناس وانهم الوحيدون الجديرون بدخول الجنة بلا منازع, وان غيرهم كفرة محرّف دينهم يبغضونهم ويحقدون عليهم ودائما متربصون لهم بالشر والاذى, وفريق اّخر يرى نفسه مغلوب على امره, يأخذ جانب الحيطة والحذر ويتجنب قدر الامكان الاختلاط بالآخر ويتجاهل كل ما يحدث حوله من اضطهاد او نظرة دونية, فريق منعزل متواطىء بالسكوت والانكسار, يتجاهل حقوقة المدنية ويؤثر السلامة واكل العيش, ينظر للآخر بنفس نظرة الكفر التى يُنظر بها منه, وكلا الفريقين يتسلح بالتدين المنافق اكثر واكثر حتى يصل لنقطة اللارجوع التى ستنهار بعدها الاقنعة ويُظهر كل طرف اقصى ما عنده ...

رأيت حولى نماذج لبشر يخافون ويرتعدون اذا شكك احدهم فى درجة تدينهم, يقرأون ويسمعون القراّن بكل خشوع وحب, يتبعون الصلاة بالاخرى دون كلل او ملل, يتحدثون بما قاله الله ورسوله طوال الوقت, يروون الحكايات والمواعظ والقصص الرسولية ويرددون ما قاله عمرو خالد والشيخ حسان ليحظوا بشرف كونهم مواطنين صالحين متدينيين, يتملكهم الذعر وتصعقهم الدهشة عندما ابدى امتعاضى من صوت القراّن المرتفع, وتجحظ عيونهم عندما ارد على سؤالهم المعتاد الخاص بامتناعى عن الصلاة باننى لا اريد ان اصلى بكل بساطة, يشمئزون عند مصارحتى لهم باننى لا استسيغ سماع القراّن وارفض 95% من الاحاديث النبوية واتقبل الباقى منها كارشادات اخلاقية اعمل بها او اتركها ليس اكثر, يعتبروننى مجنون او معتوه عندما اصرح اننى اصوم فقط لانها عادة اجتماعية وليس عن تدين, يدعون لى بالهداية ناظرين لبعضهم البعض ليروا من فيهم يهاجمنى اكثر فيرفع احدهم من معدل هجومه ليحظى بلقب المدافع الاول عن الدين, يتباهى كلا منهم بالتزامه الدينى وبترديده ما يتذكره من اّيات او احاديث يثبت بها انه الاقرب لله ورسوله والباقيين مازالوا يتخبطون فى الحياة, تجد الفنانيين يهرعون نفاقا لترديد الادعية او لغناء الاغانى الدينية بنفس هرولتهم لحضور حفلات مارينا والعجمى وفيلات رجال الاعمال الفاسدون, الممثلة الفلانية تحجبت, ما اروعها ! نفس الممثلة خلعت الحجاب, الى جهنم وبئس المصير, مع انهم يتابعون مسلسلاتها ويدفعون تذكرة لمشاهدة افلامها دون اعتبار لموقفهم الدينى والاخلاقى منها, الممثل العلانى اعتزل واستشيخ, دعوه يكفّر عن اعماله, لعل الباقين يهتدون مثله, مع ان هؤلاء الباقين انفسهم هم من تحلم بهم الفتيات ليل نهار ويهرعون عدوا ليروهم على خشبة مسرح او فى افتتاح فيلم, اللاعب الفلانى ترك الملاعب ليردد ادعية بصوتة فى سى ديهات ويعرضها على الفضائيات كرنات موبايل, ما اجمله ! اصبح يسمى الشيخ فلان بدلا من اللاعب فلان, الشيخ فلان احرز هدف, بالطبع, لانه قريب من الله, وكأن الباقين ممن يحرزون الاهداف سواء مسلمين او من اى ديانة اخرى يحرزونها خارج ارادة الله, جارنا فلان استشيخ واصبح ذو ذقن سوداء كثيفة تنير وجهه ! كيف سوداء بلون الظلام وتنير الوجه ؟ اما عن زبيبة الصلاة, فهى نقطة نور له فى الجنة, وجلابيتة القصيرة الزى الرسمى لدخوله الجنة بلا عقاب على ما فعله فى الدنيا, والمسواك هو دليل نظافته وايمانه, وترديده الادعية طوال الوقت بسبب وبدون سبب كأنه يردد تعاويذ لطرد الشياطين هى سبب تفوقه وتقدمه على اقرانه, وعندما تحدث لذلك الشخص حادثة ما يرددون انها اختبار اّلهى يتحدد على اساسه مدى قوة ايمانه, وعندما تحدث لانسان طبيعى غير متدين او تحدث لغير المسلمين تصبح عقاب على ترك الدين او الكفر, انه الكيل باكثر من مكيال, والاستحواذ على الرضا الآلهى رغما عن انف الفرق الضالة, والشوفينية فى اروع صورها ....

اذا تكلمنا عن مظاهر النفاق فسنجد العديد والعديد, منها على سبيل المثال السباق اليومى فى ترديد الآذان وراء المؤذن, وكلما رددته بصوت اعلى كلما اخذت درجة ايمانية ارقى, ومنها قراءة القراّن فى اى وقت واى مكان وباى طريقة, حتى تستمتع بنظرات الغير لك التى تقول انك الاكثر تدينا بينهم, ومنها الالتزام بالتمايز فى الزى والمظهر مع تجاهل السلوك والجوهر, لانك كلما تمايزت اكثر كلما احترمك خلق الله اكثر واعتبروك المتحدث الرسمى باسم السماء, تلك المظاهر واكثر نقابلها يوميا وباكثر من شكل وعلى كل لون, ولكن ماذا عن الانسان العادى الذى يرى كل ذلك الكم من النفاق ؟ ماذا يفعل, صراحة, لا شىء, على الاطلاق, هو يكتفى دوما اما بدور المتفرج المعجب بتدين الآخر او المشاركة بالمزايدة عليه حتى يوصل الرسالة الاكثر نفاقا, اذا كنت انت متدين قيراط فأنا متدين 24 ! كم مرة سمعت احدهم يبدى امتعاضه من صوت المؤذن ؟ كم مرة امسكت احدهم متلبسا باستيائه من تطرف المتطرفين وتدين المنافقين ؟ كم مرة واجهت احدهم بشعورك السلبى تجاه مظاهر النفاق الدينى التى تراها ولم ينظر لك بفزع متهما اياك اما بالكفر او على احسن تقدير الزندقة ؟ كم مرة اعلنت انك لا تؤيد الكثير من تعاليم الاسلام وانك تفضل ان تعيش مستقلا عن تلك التعاليم وسلمت من نظرات الكره او الاستهجان او الامتعاض او الازدراء ؟ عن نفسى, فاض بى الكيل من القناع الزائف الذى لطالما ارتديته لارضى من حولى ولاجاريهم فى نفاقهم, فاض الكيل بى لاعتبار نفسى من ضمن المنافقين واحيانا المزايدين كونى اسمع ما لا يعجبنى واصمت او ازايد على ما اسمعه, فاض بى الكيل من كبت حريتى الشخصية فيما اعتقد وفيما اؤمن وفيما ارفض وفيما افكر, فاض بى الكيل من الاتهامات التى تحيط بى من كل جانب عندما اذكر ما يخالف المعلوم من الدين بالضرورة, فاض بى الكيل من اختلاقى الاعذار لرفضى الصلاة التى ارفضها لاننى لا اريد ان اصلى نفاقا او لاؤدى حركات الغرض منها تقضية الواجب فقط ليس اكثر, فاض بى الكيل من دعوات الهداية التى تطاردنى كلما اعلنت عن افكارى كأننى خريج العباسية او شيطان بغيض يوسوس فى صدور الناس بسبب وبدون, فاض الكيل يا مجتمع يزداد نفاقا ويغرق فسادا وتكبت حرياته وتنهب امواله وتتعمق فى جنباته الرشوة ومع ذلك يردد دعاء الركوب والجماع والسفر وينسى السعى والتفكر والابتكار ونظافة اليد ورد الظلم, يا مجتمع اسلامى يطيل اللحية ويحف الشوارب ويقصر الثوب ويا مجتمع مسيحى يعلق الصلبان وينعزل عمن حوله مخافة او غرورا, كفاكم مزايدة ونفاق, كفاكم تعلق باسمال الماضى والعيش بعقلية ظلامية رجعية توقف اّلة العقل والتفكر وتزيد من سرعة اّلة الجهل والتخلف والتوكل ...

لن انافق بعد الآن, وسأعلنها واضحة صريحة, انا ضد كل تدين زائف بلا معنى, ضد قيد العقول, ضد الرجوع للوراء, ضد الصلاة لمجرد الصلاة وضد الصوم لانه فرض ليس اكثر, ضد رحلات الحج والعمرة لان فقرائنا احوج لتلك الاطنان من النقود التى تذهب لجيوب امراء النفط الوهابيين مدّعو التدين ماجنو التصرف خارج دولتهم الظلامية, ضد اى انسان يفرض اراءه ومعتقداته واسلوب حياته على غيره, ضد اى منافق يخاف البوح بما يعتمل فى صدره تجاه الدين حتى لو معلوم منه بالضرورة ويجارى التيار خوفا او مزايدة, ضد كبت حرية الغير باسم الدين, ضد كل اشكال التطرف والارهاب الفكرى, لن انافق وليذهب المنافقون للجحيم ...

الأربعاء، 22 أغسطس، 2007

عن "الصحوة الاسلامية" نتكلم !


تردد فى الآونة الاخيرة مصطلح "الصحوة الاسلامية" كرد فعل عكسى لنداءات المثقفين والعلمانيين للتصدى وبقوة للتيارات الدينية السلفية التى تتغلغل فى المجتمع المصرى بسياسة ناعمة مستغلة الفقر والجهل والعاطفة كأسهل الطرق للوصول لمبتغاهم الذى هو بالطبع أسلمة و"وهبنة" المجتمع بما يخدم مصالحهم ويعزز مكانتهم ويضعد موقفهم, وقد تبارى المفكرون والمنظرون والدعاة الاسلاميون فى ابراز مظاهر تلك الصحوة كدليل على تطور المجتمع بفضلهم وكذلك لتذكيرنا دوما بفضل السعودية وشيوخها الذين اوصلونا لتلك الصحوة المزعومة.

وعندما يذكر احد المذيعين الاسلاميين لشيخ ما على قناة فضائية وهابية الطابع مصطلح "الصحوة الاسلامية" سريعا ما تنفرج اساريره ويضىء وجهه وتنطلق الكلمات من فمه مدوية تعدد مظاهر تلك الصحوة وتعظمها ويلدأ فى سرد معالمها التى لا تخرج عن الآتى :

1- انتشار الحجاب والنقاب : فهم يرون ان التدين الشكلى المتمثل فى الحجاب وما يتبعه هو دليل على الصحوة ووعى المسلمين بدينهم بدرجة غير مسبوقة, وينسون او يتناسون ان الحجاب له من الاسباب الاقتصادية والاجتماعية ماهو اكثر بكثير من الاسباب الدينية, وهو انتشار مظهرى اكثر منه فكرى او سلوكى, وهو نتيجة طبيعية لتدنى مستوى التعليم والوعى الجمعى وليس دليلا على رقيه, ولولا التمويل الخليجى المباشر لنشر الحجاب بابخس الاسعار وتواجده باغلب المحال لما انتشر بتلك الصورة المرضية, ولو كان نشر الحجاب مقترنا بنشر سلوك اجتماعى قويم يهذب الفكر ويرتقى به لما اعترضنا, ولكن نشره فقط لفرض زى ذو طابع خليجى بدوى تحت ستار انه فرض دينى واختراق ثقافة المصريين المدنية الاصيلة بفكر صحراوى جاف هو نوع من انواع الاستعمار الفكرى الذى انصاع له المصريين بدافع دينى عاطفى ليس اكثر, ولو كان الزى سببا فى رفع مستوى السلوكيات لكنا اول المطالبين به, لكن الذى حدث ان الاخلاق فى تدهور, والمعاملة تهوى نحو الاسوأ, ويتم استغلال النقاب اسوأ استغلال سواءا فى حوادث ارهابية او فى حوادث نصب او خيانة زوجية او تحرش بعربات المترو والمواصلات العامة عموما, واذا اعتبر البعض ان الحجاب هو اوضح مظاهر الصحوة الاسلامية فتلك للاسف خدعة, لان الصحوة الاسلامية تتحقق عندما نتخلى عن التدين الشكلى المظهرى الذى لا ينفع بل قد يضر فى سبيل التدين الجوهرى الذى يهذب النفس ويروضها وينجح فى الارتقاء بمستوى وعيها سواء فى المعاملة او الاخلاق او السلوكيات.

2- امتلاء المساجد بالمصلين: وهو مظهر ذُكر أكثر من مرة من قِِِِِبل المنظرين الاسلاميين دون النظر لما وراءه, وذلك المظهر تحديدا عندما يُذكر يقارن بما كان عليه المجتمع المصرى فى خمسينات وستينات القرن الماضى, فيقولون انه فى تلك الفترة لم يكن هناك اقبال على الصلاة كما يحدث الآن ولما تكن المساجد مملؤه بتلك الاعداد الغفيرة التى نراها فى وقتنا الحالى, وينسى مرة اخرى المفكرين الاجلاء انه فى تلك الفترة من الزمان لم يكن الفساد منتشر بتلك القوة, ولم تكن الرشوة جزء من الحياة اليومية للموظف او المسئول, ولم يكن الاغتصاب والتحرش عنوان يومى فى صفحات الجرائد, ولم يكن الشعب المصرى منقسم على ذاته وكاره للآخر كما يحدث الآن سواء بين المسلمين والاقباط او بين المصريين والجنسيات الاخرى او حتى بين مشجعى الفرق الكروية الذين اصبحوا يتنافسون بعنف وعصبية ولغة متدنية, كذلك لم يكن المجتمع على تلك الحالة من النفاق والتمايز الدينى والدروشة التى لا غرض منها سوى فرض الفكر المتطرف باللين مرة وبالارهاب مرات, كل تلك المظاهر لم نكن نعانى منها فى الماضى الجميل, لكن مع ظهور تلك الصحوة المزعومة تبدل الحال واصبحنا نعيش فى مجتمع "قروسطى" لا يقبل سوى الفكر الدينى المتحجر ويرفض تماما التعددية واحترام افكار ومعتقدات الغير, لدرجة المناداة بفرض الجزية واعدام المرتد وتطبيق الشريعة بحذافيرها وعدم جواز ولاية غير المسلم على المسلم, فهل تعتبر تلك المظاهر دليل على الصحوة الاسلامية ؟ ام دليل على تراجع الفكر المستنير سواء الدينى او العلمانى ؟

3- تنامى سطوة الجماعات الاسلامية : بدأت تلك الظاهرة فى نهاية ستينات القرن الماضى بعد هزيمة 67 على وجه التحديد, بدأت جماعات صغيرة من كلية طب الجامعة القاهرة على يد د.عبد المنعم ابو الفتوح ود.عصام العريان, ثم اخذت فى الانتشار تدريجيا طيلة فترة السبعينات بمباركة الرئيس الراحل السادات وبتوجية جماعة الاخوان المسلمين وبدعم مالى خليجى بلا حدود, ثم انتقلت الجماعات خارج السيطرة وبدأت فى فرض فكرها بالجنازير والسيوف داخل الجامعات المصرية بتنظيم وقيادة شبه عسكرية منظمة, ثم انقسمت الجماعات لفرق متنازعة متنافسة فيما بينها تارة وفيما بينها وبين المجتمع ككل تارة اخرى, وزاد نفوذها بقوة بعد اغتيالهم لربيبهم الاول السادات وسيطرتهم على فترة الثمانينات والتسعينات بشكل مسح وارهابى افرز مجموعة حوادث لا تزال عالقة فى الذهن المصرى لبشاعتها ولا انسانيتها, ويأتى الآن المنظرون الاسلاميون ليعتبرونها احد مظاهر الصحوة الاسلامية بعد ما هدأت الامور وتراجع قادة الارهاب عن افكارهم الدموية واستتبت الحوادث الارهابية الا من بعض بقاياهم, فهل يا ترى نعتبر ظهور تلك الجماعات جزء من الصحوة ؟ وهل نعتبر دعوة الجماعات للامر بالمعروف والنهى عن المنكر وهو ما يعنى التدخل المباشر فى حرية الافراد استنارة وحضارة؟

تلك المظاهر كما اسلفنا تعد من وجهة نظرهم دليل النهضة والحضارة القادمة, ولكن, اليس من مظاهر النهضة الحقيقية ان ينتج المواطن المصرى قوت يومه بيده ؟ اليس من مظهرها الدعوة لاستقلال القرار الوطنى ؟ اليس من مظهرها الدعوة للوحدة الوطنية ونبذ الفُرقة والعنصرية الدينية او العرقية ؟ اليس من مظهرها ان الاعتراض على ظلم الحاكم والمطالبة بالعدل والمساواة والحرية ؟ اليس من مظهرها الدفاع عن الضعفاء والمقهورين ؟

اين نحن من تلك المظاهر ؟ لماذا تتحقق الصحوة الاسلامية فى الحجاب او الصلاة او الدعوة دون العلم والثقافة والاستنارة والتجديد ؟ هل يدرى المتأسلمون حقا لاى مدى صحوتهم سطحية ورجعية ؟ هل يعلمون لاى مدى يضرون الدين الاسلامى بافكارهم القشرية عن مفهوم الصحوة والحضارة ؟

الصحوة ايها المفكرون لا تعد صحوة الا برفع الوعى الجمعى, لا تعد صحوة الا بالمزيد من المطالبة بالحريات, لا تعد صحوة الا بايقاف نزيف الفتاوى المسيئة للاسلام والمسلمين, لا تعد صحوة الا بتجديد الفكر الدينى بما يلائم حاضرنا وواقعنا, الصحوة اعزائى هى ان نفيق من وهم اننا الافضل والارقى والاعظم ونعرف حقيقتنا مجردة دون رتوش, وعندما نرى وضعنا بين الامم سنعرف لاى مدى وصلنا, وسنعلم مقدار الجهد المفروض علينا بذله لنسترجع مكانتنا المفقودة من جديد ...