الأربعاء، 30 نوفمبر، 2011

التحالف الذي سينهي الثورات العربية

قامت الثورات العربية بعد عقود طويلة من القهر والظلم والديكتاتورية والإستبداد, قامت لتحقيق مطالب أساسية يمكن إختصارها في حرية كرامة عدالة إجتماعية, ولكن يخطأ من يظن أن تلك الثورات قامت فقط ضد أنظمة الحكم الإستبدادية التي ظلت سنوات طوال تستنزف ثروات الشعوب وتستعبدها بالتعاون مع القوتين العظميتين في البداية ثم مع الولايات المتحدة عندما إنفردت بحكم العالم, الثورات العربية الآن وتحديداً الثورة المصرية تحارب وبشراسة نظام عالمي كامل قائم على تحييد الدول العربية سياسيا وإقتصاديا ومنعها من تحقيق ديموقراطية كامله فيها تساعدها على النهوض من سبات عميق قد يهدد مصالحها في المنطقة, ومع نجاح الثورة المصرية بسقوط الرئيس مبارك وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحه الحكم بصورة مؤقته خُيل للكثيرين أن زمن الديكتاتورية إنتهى, ولكن للأسف, بعد مرور شهور على خلع مبارك من الحكم تبين أن اللعبه أكبر بكثير من مبارك وعصابته فقط....

الآن نرى بوضوح مخطط يتم تنفيذه بدأب وصبر وإصرار بالتعاون بين الأنظمه العربية التي قامت بها الثورات والولايات المتحدة الأمريكية لإحتواء مفاجأة الموجة الثورية والتعامل معها بما يضمن الخروج بأقل الخسائر وإستمرار الوضع كما هو عليه بعد تغييرات طفيفة لا تؤثر على المصالح المشتركة بين جذور تلك الأنظمه وأمريكا, وسأستعرض في نقاط سريعة رؤية عامه لما يدور وتحليل سياسي بالتوازي يوضح ما تم تخطيطه ويتم تنفيذه الآن:

1- كان أمام أمريكا طريقين لا ثالث لهما لإخماد فتيل الثورات العربية التي إنتشرت كالنار في الهشيم من تونس لمصر لليبيا لليمن لسوريا للبحرين, وكانت تنذر بمزيد من الإمتداد للجزائر والمغرب والسعودية والأردن وحتى إيران, كان أمام الولايات المتحده إما تقوية الأنظمه المستبدة والوقوف بجانبها حتى تقضي تماما على الحركات الثورية بكافة الأشكال وحسب ظروف كل دوله, وإما أن تنتظر للنهاية حتى ترى مسار الأحداث ثم تتعامل مع الوضع الجديد بما يخدم مصالحها, الخيار الأول لم يكن ذكيا ولا إستراتيجيا لأنه قد يجر المنطقة لبحور دم بلا نهاية وكان الغضب وقتها سينفجر في الولايات المتحدة لأنها ستعتبر شريكة بشكل أساسي في المذابح وسيزيد من ترسيخ فكرة أنها تدعم الديكتاتوريات وتقف حجر عثرة في طريق الحريات والديموقراطية, أما الخيار الثاني فكان أكثر مرونة وخبث وذكاء على المدى القريب والبعيد أيضاً, إختارت أمريكا الخيار الثاني ووجدت من يعاونها على تنفيذه ايضاً لأن المصالح مشتبكه بما فيه الكفاية لتعدد أطراف الصراع ووحدة الهدف الذي هو القضاء تماما على الثورات التي قد تهدد العرش الأمريكي بدون أدنى مبالغه.

2- لتنفيذ الخيار الثاني لابد أن نلقي نظرة سريعه على تركيا وتجربتها مع وصول حكومة ذات طابع إسلامي لحكم دولة معروفه بتوجهاتها العلمانية الصِرفه, تركيا هي النموذج المنشود تنفيذه في الدول العربية التي إقتلعت أنظمتها الديكتاورية وتستعد لبناء أنظمه جديدة من المفترض أن تستمر لفترة ليست بالقصيرة, تركيا دولة محورية وإستراتيجية في منطقتها ولها دور سياسي بارز لا يمكن إنكاره, لذا تهتم أمريكا دوما بضمان حياديتها ووسطيتها السياسية وتعاونها الدائم خدمة لإسرائيل أيضاً, فماذا فعلت أمريكا عندما حصل حزب أردوغان الإسلامي على الأغلبية التي مكنته من تشكيل حكومة وبدء نظام جديد في تركيا ذا طابع إسلامي لأول مره منذ سقوط الخلافة الإسلامية؟ سارعت أمريكا بعقد الإتفاقيات والصفقات وترتيب البيت التركي من جديد ليتناسب مع المصالح الأمريكية الإسرائيلية في المنطقه, مساعدات إقتصادية وإنفتاح على العالم ووساطه للقبول بالإتحاد الأوروبي, ومن جهة أردوغان فقد ساعد أمريكا في حرب العراق بالموافقة الضمنية والقواعد العسكرية وتغاضى كثيراً عن الجرائم الإسرائيلية وحاصر نوعا ما حزب الله في لبنان, على الجانب الآخر لم يتطرف الحزب الإسلامي في تدينه وحافظ على الطابع العلماني للدولة ولم يسمح بنشوء أي حركات إسلامية متطرفه قد تعادي أمريكا مستقبلاً, وكانت كلمة السر لإستمراره ونجاحه دوماً الإقتصاد مع قليل من الحنكة السياسية, وهنا وصلت أمريكا لمعادلة مفادها أنك إذا دعمت نظاماً إسلامياً بالإقتصاد والمصالح السياسية المشتركة الضامنه لإستمراره سيدعمك هو الآخر بتحجيم الحركات الإسلامية المتطرفه وتغييب الشعوب بالمشروع الإسلامي والتغاضي عن إستنزاف ثروات الدولة مقابل تبادل المنافع.

3- والآن نأتي للجزء الأكثر أهمية, ربط الأحداث بين الثورات العربية والتجربة التركية وكيفية إخماد الثورات بهدوء وحنكه, ولنلقي نظرة سريعه على المنطقه كي تتضح الصورة, تونس فاز فيها حزب إسلامي بالأغلبية في الجمعية التي ستشكل الدستور, المغرب فاز فيها حزب إسلامي بالأغلبية البرلمانية وبدأ بتشكيل حكومة إسلامية الطابع لأول مره, ليبيا يسيطر عليها الإسلاميون المعتدلون حتى الآن, ولنأتي للجائزة الكبرى, مصر, تدور في مصر الآن الإنتخابات البرلمانية التي تشي نتائجها الأولية بفوز التيار الإسلامي بالأغلبية, وهي ليست بالمفاجأة نظراً للتعاون الواضح والوثيق بين المجلس العسكري الحاكم والتيارات الإسلامية منذ سقوط مبارك, وظهر هذا التعاون في أبهى صوره من خلال التغاضي الكامل عن المخالفات الجسيمة التي إرتكبتها الأحزاب الإسلامية خلال أيام التصويت, ولكن لماذا يدعم المجلس العسكري تلك الأحزاب حتى تحوذ الأغلبية البرلمانية؟ ولماذا ساعدها من البداية على النشوء والظهور وكسب المعارك تلو الأخرى لترسيخ وجودها في الشارع المصري؟

4- تجربة الحكومة الإسلامية في تركيا كانت كلمة السر في تعامل الولايات المتحدة مع الثورات العربية خصوصا الثورة المصرية وذلك لتميز التيارات الإسلامية بعدة خصائص أهمها أنها يمينية الطابع ورأسمالية الإقتصاد ومحافظه وتستخدم الدين في تغييب الشعوب وتستخدم السياسة في تحقيق مصالحها بأكثر الطرق إنتهازية وبراجماتية, كل تلك الخصائص جعلتها قابلة لتولي الحكم (جزئياً) في مصر والبلاد العربية الأخرى حتى تأخذ الشرعية الكافية التي تمكنها من نقل البلاد من الحاله الثورية للحاله الديموقراطية الشكلية مع إستمرار تعاونها البراجماتي في تبادل المصالح, ستسخدم تلك الحكومات الدين لتكفير معارضيها دون عنف, وستستخدم الرأسمالية في إستنزاف الثروات بالتبادل مع أمريكا لإنتهازيتها الشديدة ونهمها للمال والسلطه, وستسيطر على قطاعات واسعه من الشعوب ترى فيها الأمل الديني لإنقاذها من جحيم الدنيا وتسهيل دخولها الجنة الأخروية, وهكذا ضمنت الولايات المتحدة إخماد الحاله الثورية التي كان من الممكن أن تهدد عرشها في المنطقة العربية من ناحية, ومن ناحية أخرى ضمنت عدم ظهور تيارات إسلامية متطرفه قد تزعجها مستقبلاً, كذلك ضمنت مصالحها الإقتصادية من خلال منظومات يمينية رأسمالية ومصالحها السياسية والإستراتيجية من خلال إستغلال شراهة التيارات الإسلامية الدائم للسلطه والسيطرة على الشعوب.

الثورات العربية لا تصارع أنظمتها فقط, الثورات العربية تواجه نظام عالمي كامل معقد لن يرضى أبداً بسيطرة الشعوب على مقدراتها, الكفاح والنضال من أجل الديموقراطية الحقه والإستقلال بدأ ولم ينتهي, وإزداد العدو واحداً بإضافة التيارات الإسلامية المتعاونه مع الأنظمه الديكتاتورية التي قامت عليها الثورات والولايات المتحدة, ولا ننسى تصريح هيلاري كلينتون وزيرة الخاريجة الأمريكية التي قالت أنها مستعده للتعاون مع الإخوان المسلمين في حال توليهم الحكم, وهي الإشارة التي نفهم منها بدء تنفيذ المخطط, ولكن يبقى الأمل في الشعوب التي بإستطاعتها القضاء على أعدائها بإستمرار النضال من أجل الحرية والعدالة والكرامه لآخر قطرة دم.


المقال على موقع الحوار المتمدن:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=285553

هناك 3 تعليقات:

آخر أيام الخريف يقول...

للأسف هو نفس ما توقعته منذ البداية وكان الجميع يتهموننى بالسوداوية .

ربنا معانا وينصرنا

غير معرف يقول...

تحليل جيد و لكنه يفتقد الي شيء مهم جدا.
لا يوجد شيء يسمي الديمقراطية، منذ أيام أفلاطون و حتي الآن.
انما هو وهم من الناحية النظرية، و نصب علي بسطاء العقول من الديماجوجيين من الناحية التطبيقية.
من يحكم الشعوب في الغرب ليس الناس، و لا من يظنون أنهم ممثليهم من الدمي، بل هم أصحاب رؤوس الأموال حول العالم.
و الانسان الغربي العادي في واقع الأمر انما يعيش حالة من البؤس تحت وطأة استغلال الرأسماليين له. و التفاوت النسبي في الأجور هناك و في شعوب العالم الثالث انما يحدث نتيجة استنزاف ثروات الغرب لتلك الشعوب الضعيفة المستباحة.
و في النهاية فان أبواق الاعلام و صناعة و تجارة السلاح و شن الحروب كل ذلك يملك زمامه كبار الرأسماليين. أما رؤساء و رؤساء وزارات تلك الشعوب ما هي الا دمي في أيدي أصحاب الشركات المتعددة الجنسيات تحركها كما تشاء، ليصبح الحزب الجمهوري و الحزب الديمقراطي مثلا في الولايان المتحدة ما هما الا وجهان لعملة واحدة.
الرأسمالية ما هي الا اعادة انتاج للاقطاع في العصر الحديث. و وهم الديمقراطية (الدين العالمي الجديد) التي ضحكوا بها علي شعوبهم ما هي الا اعادة انتاج لسيطرة الكنيسة في العصر الاقطاعي.
فأفراد الشعوب ليسو متساويين لكي تكون لهم أصوات متساوية.
و هم غير مؤهلين لاختيار نوابهم أو حكامهم، و في الماضي فان هؤلاء الرعاع هم من حكموا علي سقراط بالاعدام.
بأي حال من الأحوال فان حكم الرعاع أو تصويتهم و اعطائهم الفرصة لاختيار من يسرقهم ما هو الا فوضي في الشعوب الضعيفة، و ما هو الا تكريس لحكم الرأسماليين في الدول الأقوي.
و من هنا فان وهم الديمقراطية لا يسبب رخاء للانسان العادي في الدول الضعيفة أو القوية، و انما يسبب فوضي في الدول المتخلفة، و استتباب لحكم الطبقة الرأسمالية في الدول القوية بحيث لا أقصي ما يمكن أن يفعله الانسان العادي هناك هو التظاهر و الاضراب اللذان لا يؤديان الي أي شيء يذكر، و في النهاية نذكر مرة أخري بأنه لا دخل لوهم الديمقراطية بتقدم أو قوة تلك الشعوب، و انما كل ما في الأمر أن تلك الشعوب تستنزف ثروات الشعوب الأخري لذلك قد تحقق لبعض أفراد مواطنيها قدر أعلي نسبيا من الرفاهية، و لهذا فان الخط الأحمر الذي لا يجب أن تتعداه الشعوب المستنذفة مواردها هو الثورة علي الرأسمالية او الليبرالية او اقتصاد السوق او اعادة توزيع الثروات فان هذا يعني عدم ضخ المزيد من أموال أصحاب المليارات الذين أنتجهم النظام الرأسمالي في الشعوب المتخلفة الي مصارف الدول الكبري.

غير معرف يقول...

مقال جامد جدا وهو مشهد لما يحدث الان من احداث تدور بالشرق الاوسط العربى العارى وانا سعيد بمعرفة شخصية ذو عقلية تفكر وتستغل الذكاء فى قراة الاحداث ولك جزيل الشكر على ما تفعله وتقوله وتعمله لخوفك على بلدك #دقدق