الاثنين، 31 ديسمبر، 2007

عبقرية الشعب المصري


يعاني الشعب المصري كثيراً في الربع قرن الأخير كما لم يعاني من قبل في تاريخه الحديث وبالتحديد بعد إستقلاله, يأس الكثيرون وأحبط الشباب ودبت الروح الإنهزامية من جديد وكأنها قدر مكتوب لا فكاك منه ولا هروب, كل ما يحيط بالشعب المصري حالياً يدعو إما للهجرة أو الإنتحار أو حل عبقري يتعايش من خلاله المصريين مع واقعهم الأليم متكيفين معه ومندمجين في منظومته, وكالعادة, وكما يقول التاريخ لم يستسلم الشعب المصري لآلمه ومآسيه, بل شرع في ضبط إيقاع حياته على وضعه الجديد ومن خلال حيل أقل ما يقال عنها أنها عبقرية بحق وتنم عن خبرة تاريخية طويلة وعميقة تتوارثها الجينات الوراثية المصرية بأمانه ودون كلل أو ملل, فنرى مثلاً أنه عند دخول مصر في عصر الفضائيات المشفرة وقانون (إدفع لتشاهد) لم يلبث الشعب المصري كثيراً أمام تلك المعضلة الجديدة ولم يستسلم لها, بل إنطلقت العقول العبقرية المصرية لتحلق في سماء الفضائيات والشبكات هي الأخرى لتلقن الرأسمالية الوحشية (وهو ما سنراه كثيراً كدليل على الرفض المصراوي القاطع لها) درساً علمها كيف ترحم المنسحقون تحت تروسها بل وتستجديهم لئلا يسحقوها, فأنطلقت الشبكات الأرضية في مدن ومحافظات مصر كالنار في الهشيم, وفي خلال أقل من سنه صارت مباني مصر كشباك العنكبوت, ولم يخلو بيت من (وصله) تسلي أفراده وتشعرهم بنصرهم على من يستغل حاجتهم, ولم تكن كابلات الوصلات اللاعب الوحيد في رسم خيوط بيت العنكبوت, ولكن دخلت وصلات الانترنت كمنافس قوي وعنيد ويتضخم بإستمرار أيضاً بعد تزايد الحاجه لها وإرتفاع أسعارها نسبياً بالنسبه لدخول المصريين, ومما زاد الطين بله ما فعلته وزارة الإتصالات من نظام جديد بنصف الثمن نعم, ولكنه يحدد الدخول للإنترنت بستين ساعه شهرياً فقط, وهو مما زاد من درجة العناد لدى الشباب وحمسهم أكثر لإقامة الشبكات وليتحمل الرأسماليون نتيجة جشعهم, ومن معركه لأخرى تنتقل كتائب الشعب المصري العبقرية لتضرب بيد من حديد على جشع التجار وتهاون الحكومة وتداعى النظام, فعندما وجد المصريون أنفسهم أمام تصريح قاسي (كالعادة) لوزير المالية يوسف بطرس غالي يقول فيه (زمن السلع الغذائية الرخيصة إنتهى) لم يجدوا بداً من اللجوء للحلول العبقرية حتى تستمر الحياة, فصارت العروض المخفضه التي يتنافس على تقديمها متاجر السلع الغذائية هي الأساس وليست الإستثناء, وخاصم المصريون المجمعات الإستهلاكية وإنطلقوا للشراء من البائعين المتجولين والأسواق الشعبية المنتشرة في الأحياء المتوسطة والفقيرة, وعندما إفتقد المصريون اللحوم الحمراء والأسماك توجهوا للدجاج مستغلين إنخفاض أسعاره نسبيا وتنوع أطباقه كتعويض مرضي عن فقدانهم للحوم, وفي أزمة أنفلونزا الطيور لم تيأس العبقرية المصرية من الوضع, بل تكيفت مع ما أستجد ورضيت ولو مؤقتاً بأقل القليل من البروتين الحيواني على أمل أن تعود الأمور لما كانت عليه, وعلى الصعيد الإجتماعي إزدادت الأمور سوءاً مع الشباب من الجنسين, فمع تأزم الوضع الإقتصادي وإنخفاض مستوى المعيشة وبالتالي فتور الشباب على السعي للزواج تفاقمت أزمة العلاقة بين الجنسين, وصار كلاً منهما يفكر في الآخر إشتهاءا وحاجه ورغبة, وكلما إزدادت الهوة بينهما كلما إرتفعت نسبة الإنجذاب جنسياً بصورة مطردة, فظهر للوجود من جهة الجنس اللطيف ظاهرة الحجاب المتحفظ بداية, ثم المودرن بمرور الوقت, حتى وصلت الأمور لتغطية الشعر ظاهرياً من أعلى وتعرية باقي الجسم فعلياً من أسفل, ثم توالت ردود الفعل للتغلب على شهوة الجنسين مثل الإسدال والنقاب الذي بدأ الإنتشار بصورة ملحوظة بعد فشل الحجاب في إطفاء لهيب الرغبة المستعرة, ولم تكن ردة الفعل العكسية تلك حكراً على الجنس اللطيف فقط, بل إمتدت للذكور أيضاً عندما إتجه قطاع ليس بالقليل منهم للجماعات الدينية بمختلف أشكالها وأنواعها, ومنهم من إلتزم بمظهر بدوي صحراوي وجد فيه الزهد والتقشف, ورخص الثمن أيضاً, وبالطبع أتاح الإلتزام الديني قدر أكبر من كبت الشهوات مما ساعد على علاج المشكلة الجنسية ولو مؤقتاً, ثم إتجه الشباب الجامعي على وجه الخصوص للزواج السري العرفي كبديل لا مفر منه لصعوبة الزواج وعدم قدرتهم على تلبية متطلباته, ولم يقف الزواج العرفي عند طبقة أو ثقافة معينة, فقد إنتشر كموضة بعد ظهوره كحاجه, وأصبح من أقصر الطرق لإشباع الرغبات والحصول على حياة زوجية بأقل التكاليف الممكنه حتى لو كانت زيجات مؤقتة, وتوالت الحلول العبقرية إزاء التغلب على المشكلة الإجتماعية الإقتصادية المشتركة, فظهرت أسواق الملابس منخفضة السعر, والأجهزة الكهربائية الصينية ذات الجودة الرديئة ولكن بسعر يناسب ردائتها, وبدا أنه من الممكن فك لغز مواصلة الحياة بالقدر الأدنى إذا إستمرت العقلية المصرية في إبتكار البديل دوماً ودون يأس, فبدأوا في ممارسة العادة المصرية الأصيلة في إطلاق النكات على نظام الحكم, ثم خاصموا العمل السياسي نهائياً بأحزابه وإنتخاباته وإستفتاءاته, وتوحدوا مع رموز شعبية بسيطة حققت حاجتهم للسياسة من جهة وقدمت حلاً عبقرياً لمواجهة نظام الحكم من جهة أخرى, وظهرت للوجود بدائل مثل إتحادات طلبة الجامعات الحرة (المنشقة عن الإتحادات الحكومية), كذلك ظهرت مجالس النقابات الموازية, والحركات الشعبية البسيطة كبديل للأحزاب الضعيفة, ومن السياسة للتعليم تتواصل مفردات العبقرية المصرية في فرض حلولها, فمع إنخفاض مستوى التعليمي والثقافي والمنهجي للمدارس الحكومية وعجزها عن تلبية مطالب الطلاب في التلقين بما يكفي للنجاح ودخول كليات القمة ظهرت فكرة الدروس الخصوصية كعامل مساعد بداية, ثم بديل كامل للمدارس بمرور الوقت, وتطورت الفكرة أكثر لتأخذ الدروس شكل شبه رسمي ممثلة في المراكز التعليمية التي إنتشرت إنتشار سريع محققه أرباح خيالية لأصحابها وللعاملين بها وعلى وجه الخصوص طبعاً المدرسين, وأصبحت المادة هي الرابط الرئيسي بين الطالب والمعلم, وتوارى العلم خجلاً كوسيلة بغية الوصول للكلية المنشودة من جهة الطالب وإرتفاع مستوى المعيشة بالنسبه للمدرس, ثم توالت البدائل ممثله في المدارس الخاصه ذات المصروفات الباهظة والمستوى التعليمي المتميز, وتحققت المعادلة بين الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء, فإتجه الأغنياء للمدارس الأجنبية واللغات, وإتجه متوسطي الحال للمدارس التجريبية والخاصه, وإكتفت الطبقة الفقيرة بالمدارس الحكومية مع مجموعات التقوية والدروس الخصوصية المنزلية على إستحياء وهم بالطبع الخاسر الأكبر في تلك المعركه التي لا يزال أمامها العديد من المصاعب وأهمها على الإطلاق الجدل الدائر حول إلغاء مجانية التعليم لنعود للوراء أكثر من خمسون عاماً كفاح المصريين خلالها لينالوا حقهم الطبيعي في تعليم جيد منخفض التكاليف, ولم تنس العبقرية المصرية الدين وسط كل تلك التحديات والمعارك, فظهرت الموروثات الشعبية الدينية التي تحض على الرضا بالمحتوم والإنصياع التام للقضاء والقدر والنصيب وشاعت ثقافة الإتكال والرزق الذي سيأتي كما هو مقدر مهما سعى الإنسان له, ولم تكتفي الموروثات الدينية بروح الإستسلام فقط, بل ساهمت أيضاً في التخلف عن ركب الحضارة والثقافة والفنون إراحة للعقل وتوفيراً للنفقات عن طريق تحريم الأخضر واليابس منها, وكثر الحديث عن فتاوي التحريم بداية من الفنون بجميع أشكالها ونهاية بالتنقيب في نفوس الأدباء والشعراء بحثاً عن كلمة أو لفتة يكفرون من خلالها, وسادت الفكرة القائلة بأن الماضي أروع من الحاضر والمستقبل, وأن الرجوع إليه سيحقق المدينة الفاضلة والأخلاق الحميدة والرخاء الإجتماعي والإقتصادي, فظهرت أفكار تحض على إسترجاع الخلافة الإسلامية, وعودة فكرة الشورى الغير ملزمة للخليفة, وإقامة الحدود, والإلتزام بالزي الإسلامي, وأسلمة كل مظاهر الحياة بداية من الأعراس والمآتم ونهاية بحف الشوارب وتقصير الثياب, وإنتشر الفكر المناهض للثقافة والحريات والديموقراطية والمجتمع المدني ممثلاً في رفض الحضارة الغربية بكافة مظاهرها وتطبيق هذا الرفض فعلياً على أرض الواقع في مجتمعنا الشرقي, وهنا كان البديل الديني العبقري رد قاسي على الحكومة العلمانية التي تطبق ديموقراطية شكلية ديكورية ذات طابع رأسمالي متوحش لا يعني بالطبقات الفقيرة ولا المتوسطة, وإنما جلّ إهتمامها هو طبقة الأغنياء والمترفين ذات الأقلية العددية والمكروهة شعبياً, ولم تقف الأمور عند هذا الحد, بل إستمر الدين كبديل عن السياسة في إنتخابات مجلس الشعب والنقابات, وبرز تيار الإخوان المسلمون على حساب وجوه حكومية شاخت وأفلست ولم يعد لديها ما تقدمه سوى الإستفزاز والتجاهل والعناد والذي أدى بالطبع لرد فعل مساوي في القوة ومضاد في الإتجاه من جانب المواطنين.

عبقرية الشعب المصري لم تكن دوماً موفقة في نهجها وطرق معالجتها لمشاكل الحياة اليومية, ومن أسوأ نتائجها على الإطلاق ترسيخ ثقافة التكيف مع الوضع الحالي بدلاً من مواجهته وتغييره بالوسائل الشرعية التي تضمن الحصول على الحقوق مع ضمان سلامة المجتمع, ولم تأخذ عبقرية المصريين طريقها الصحيح المحتوم للتطور إلا في الفترة الأخيرة بعد إستخدام سلاح الإعتصامات والمظاهرات كوسيلة جديدة غير سلبية كسابقاتها, فعندما شعر العامل المصري البسيط بأن حقه المهضوم سيصل به للنهاية المحتومة بالقضاء على قدرته على التكيف مع واقعه نهض وانشأ الإتحادات العمالية البديلة للإتحادات الحكومية والتي نجحت نجاح غير مسبوق في إسترجاع الحقوق وفرض كلمة العمال على النظام ممثلاً في مجالس الإدارات الحكومية وإتحاداتها, وظهرت في مصر حركة إعتصامات غير مسبوقة من الأسكندرية لأسوان, وإشتعلت المصانع والهيئات الحكومية وحتى بعض الإدارات داخل تلك الهيئات بنار المطالبة بتحسين مستوى المعيشة وإلا سيتوقف العمل وتتعطل المصالح, ونجحت الإعتصامات حتى أضحت هي القاعدة والإستقرار هو الإستثناء, ومع ذلك لا يمكن إنكار دور التكيف مع الظروف في الحفاظ على تماسك المجتمع وتأدية الغرض منه في البقاء على قيد الحياة رغم كل المصاعب والمشاق والأهوال التي يعانيها المواطن المصري في سبيل تحقيق هذا الهدف البسيط.

هناك تعليقان (2):

اجندا حمرا يقول...

كل سنه و انت طيب و عام سعيد صديقي المفكر الجميل

العقل اولاً يقول...

وانتِ بخير زميلتي الحرة المتفتحة, مع تمنياتي بدوام الصحة والسعادة والسلام ...