الأربعاء، 19 نوفمبر، 2008

القضاء السعودي بين الأحكام السماوية والقوانين الوضعية


كثر الحديث عن مدى مشروعية الحكم الصادر بحق الطبيبين المصريين والذين حوكموا بتهمة التسبب في إدمان مريضة سعودية, وهل هو حكم شرعي طبقاً للشريعة الإسلامية أم هو حكم جائر لا وجود له في الشريعة, وفي مقالنا الحالي نلقي الضوء على الحكم ومدى ملائمته للشريعة الإسلامية مع توضيح الجوانب السلبية المحيطة به.....

عقوبة الجلد في الشريعة الإسلامية نوعين:
الأول: الجرائم الحدية، وذلك في ثلاثة حالات فقط:
1. شرب الخمر أو أي مسكر، وهو أربعين جلدة
2. قذف المحصنات، وهو ثمانون جلدة
3. الزنا لغير المتزوج، وهو مائة جلدة
الثاني: العقاب التعزيري، وهو الذي تُرِكَ تحديد مقداره للحاكم، أو السلطة التشريعية، أو القاضي، وهذا لم يُتْرَك بلا ضابط، فحده ألا تزيد عدد الجلدات عن عشر جلدات، وذلك بنص ما روي عن أبي بردة قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى" رواه البخاري ومسلم

مما سبق يتضح لنا أن عقوبة ال 1500 جلدة المفروضة على الطبيبين لا وجود شرعي لها على الإطلاق في الشريعة الإسلامية, وإذا أضفنا لها عقوبة السجن 15 عاماً نجد انفسنا أمام معضلة لا تفسير لها لدى القضاء السعودي, تلك المعضلة تتلخص في الكيفية التي خلط بها القضاء السعودي بين حكم سماوي (الجلد) وحكم وضعي (السجن), فمن المعروف تاريخياً أن السجن لم يكن عقوبة معمول بها في وقت الرسول (ص), كذلك لم يُعمل به كعقوبة سماوية في كل العهود التي تلت وفاة الرسول, وبالتالي فإعتبار عقوبة السجن من ضمن الشريعة الإسلامية هو خلط غير مقبول ولا سند له في المصادر الرئيسية للتشريع (القرآن الكريم-السنة النبوية-السيرة المحمدية), وإذا كانت المملكة السعودية تتباهى دوماً بأنها الدولة الإسلامية السنية الوحيدة التي تطبق شرع الله فلماذا تستخدم قوانين وضعية (هي من وجهة نظرها مرفوضة أمام القوانين الإلهية) بجانب قوانين الشريعة الإسلامية؟

من جهة اخرى, من المعروف في أحكام القضاء أن إزدواجية العقاب يعتبر حكم باطل في جميع الأحوال, ولا يجوز للقاضي أن يحكم بحكمين مختلفين على نفس المتهم, فما بالنا إذا كانت العقوبتين إحداهما سماوية والأخرى وضعية في دولة القضاء فيها قضاء ديني بحت يستند فقط للمصادر الإسلامية الرئيسية في التشريع؟

لم يرد من قبل حكم في التاريخ الإسلامي مستند إلى المصادر الرئيسية للشريعة الإسلامية حدث فيه أن عوقب المتهم بالجلد بهذا العدد المهول من الجلدات إلى جانب السجن بتلك المدة الطويلة, والحوادث الوحيدة التي لها ذكر في التاريخ الإسلامي بشأن إزدواجية العقوبة أو قسوتها بما يتعدى العدد الشرعي للجلدات كان من نصيب الصحابة, ومن المعروف أنه لا يعتد بفعل الصحابي أو قولة إذا تعارض مع الشريعة الإسلامية بكل مصادرها.....

فما هو المبرر إذاً من الحكم الصادر من القضاء السعودي؟ وعلى ماذا إستند القاضي في حكمه؟ لو كان إستناده للشريعة كما تدّعي المملكة فالشريعة مختلفة كلية في حكمها, ولو كان إستناده لقانون وضعي فلتكف المملكة عن تباهيها بتطبيقها للشريعة ومطالبتها لجيرانها بالمثل وإلا فهم كفرة كما يقول شيوخها وحاكميها.....

هنا ينبغي لنا أن ننظر بعين الإعتبار للدعاوى المطالبة بتطبيق الشريعة في مصر أو غيرها من الدول العربية, فإذا كانت الدولة الأولى الراعية للإسلام والمطبقة الوحيدة –كما تقول- للشريعة الإسلامية تطبق قوانين ما انزل الله بها من سلطان, فما بالنا بالدول التي حكمها مدني ودستورها وضعي مثل مصر؟ إذا كانت الشريعة غير مطبقة في بلد الرسول والإسلام والتي يسكنها أغلبية مطلقة من المسلمين مع أقلية تعد بالآلاف فما بالنا بدولة مدنية يسكنها ما يقرب من 12 مليون قبطي؟ هي دعاوى في النهاية خيالية وتأتي من دولة لا تفعل ما تنصح ولا تطبق ما تفرضه على غيرها ولا تهتم بالعدل الذي هو أساس الملك (أو الحكم) على رعاياها من جيرانها, أما الحكم الصادر بحق الطبيبين المصريين فهو ليس بحكم قضائي خالص, وإنما تشوبه شُبهة سياسية ومن الممكن القول أيضاً إنتقامية أو تحقيرية, والسؤال الواضح هنا, ماذا سيكون حكم القضاء السعودي إذا كان المتهمين يحملون الجنسية الأمريكية أو جنسية الإتحاد الأوروبي؟ أعتقد الإجابة واضحه ولا تحتاج لتفكير.....


ليست هناك تعليقات: