الأربعاء، ٢٠ أغسطس ٢٠٠٨

هل تصنع أفكار العودة للماضي دولاً إٍسلامية حديثة؟


تدور معظم خطب المساجد أو برامج الفضائيات الدينية أو حتى الأحاديث اليومية بين المسلمين حول إستعادة الزمن المفقود من أربعة عشر قرناً بكل ما فيه من مظاهر حياة إجتماعية وإقتصادية وسياسية, ولا يتوانى المتحدث في هذا الموضوع عن إبراز كافة المظاهر الإيجابية التي تميز بها المجتمع في ذلك الزمان من حيث البساطه والنقاء والتواضع والتقشف .... إلخ, وينتهي الحديث عادة بدعوة عامه لمحاولة الرجوع لديننا بكافة مظاهره سواء من ممارسة أو تشبه بكل ما كان يحدث في الجزيرة العربية وقتها حتى يمكننا النهوض بالأمة الإسلامية من جديد وإستعادة زمن الإمبراطورية والحضارة التي فقدناها كما فقدنا كل ما يميزنا من قبل, و بالطبع لا ينسى المتحدث التذكير بأن عودة زمن الخلافة هو الحل الناجع الذي سيجعل الدول الإسلامية تفيق من سباتها لتأخذ مكانها المعهود كقوة عظمى بين دول العالم, وهكذا تستمر الأحلام في إسترجاع زمن مضى بكل ما فيه علّنا نصل لنفس النتيجة النهائية التي وصل إليها من عاصروه, وهو لعمري وسيلة للنهوض لم أرى مثلها من قبل!

يسهب المتحدث في الكلام عن زمن الزهد والتقشف وينسى أن نفس هذا الزمن هو من ترك فيه رماة الأسهم مواقعهم على الجبل في موقعة أحد ليظفروا بالغنائم والنساء قبل أن يحظى بهم حاملي السيوف والرماح والفرسان على أرض المعركة فوقعت أول هزيمة للقوات الإسلامية من بدء الدعوة, ينسون أيضاً أن المغيرة بن شعبه, وهو أحد كتّاب الرسول (ص), أحصن ثلاثمائه إمرأة كما ورد في (الإستيعاب في معرفة الأصحاب) لإبن عبد البر, أو تسعة وتسعون إمرأة كما جاء في (أسد الغابة في معرفة أحوال الصحابه), وفي كلتا الأحول تؤكد الرواية نهم المغيرة بن شعبة للنساء البعيد تماماً عن الزهد, ولا ننسى أيضاً السبي الجماعي لنساء وأطفال قبيلة بني قريضة بعد ذبح كل من نبت شعر في عانته من الذكور, ثم بيعهم كرقيق للإستفادة منهم مادياً أو سبي النساء للمتعة الشخصية لجيش المسلمين, ويستمر مسلسل الزهد والتقشف في حادثة مثل موقف سعد إبن أبي وقاص من مقتل أخيه ومساواته هذا الموقف الأليم بحرمان النبي له من سيف كان من غنائمه, وهو ما ورد بالتفصيل كما يلي :
{ عن محمد بن عبد الله الثقفى عن سعد بن أبى وقاص قال: لما كان يوم بدر قُتل أخى عمير وقُتل سعيد بن العاص وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة فأتيت به النبى ـ ص ـ قال: فاذهب فأطرحه فى القبض قال: فرجعت وبى ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخى واخذ سلبى .. } [ ( أسباب النزول ) للواحدى النيسابورى ص 155 / و ( لباب النقول ) للسيوطى ص 85 وذكر أن أحمد بن حنبل رواه فى مسنده / و ( المقبول ) للأزهرى ص 533

ويتضح من مثل تلك المواقف السابقة, وهي غيض من فيض, كيف أن المجتمع العربي الإسلامي في ذلك الوقت لم يكن مثالياً كما يتصوره عامة المسلمين, ولم يكن أيضاً المجتمع المتحضر الراقي الذي نضعه كمثل أعلى نسعى إليه الآن, وإذا كان المجتمع الإسلامي في هذا الوقت من الزمان به بعض الإيجابيات, فهي لا تصلح بأي حال من الأحوال للزمن الذي نعيش فيه الآن, فقد حدثت حولنا متغيرات حضارية في كافة الأوجه أبادت للأبد كل المظاهر التي إتسمت بها الحضارات والمجتمعات القديمة سواء في العلاقات الإجتماعية أو الدولية أو حتى الفردية, وصارت نداءات مثل العودة للأصول أو الحنين للماضي البعيد لا تعني إلا الرجعية والإصرار على التخلف عن ركب المجتمعات الحديثة وبالتالي الخروج تماماً من حلبة الصراع على المكانة العلمية والإقتصادية والسياسية التي تسعى إليها الدول الحديثة الآن في معارك مصيرية قد ترفع من شأن شعوب تلك الدول أو تبقى حالها على ماهو عليه كأسوأ الفروض, أما ما نفعله في الدول الإسلامية فهو أسوأ من أسوا تلك الفروض, وهو الرجوع للخلف حتى زمن الناقة والخيمة والسير بدون ملابس داخلية وقضاء الحاجه في الخلاء كما كان يحدث على أرض الجزيرة العربية في ذلك الزمن السحيق ....

هل يمكن إنكار أن بناء الإمبراطورية الإسلامية وحضارتها جاء عن طريق إكتساب العلوم والمعارف والفنون من الدول المستعمرة؟ هل رفض المسلمون الأوائل تلك الحضارات العريقة بكل تطورها لحنينهم للماضي؟ لو حدث هذا لما وجد ما سمي بالحضارة الإسلامية يوماً, فقد نشأت تلك الحضارة وتطورت لأن المسلمون الأوائل إهتموا بتطوير معارفهم وعلومهم عن طريق إكتسابها من الدول التي كانوا يدخلونها فاتحين أو غازين, ولم يتوقفوا يوماً عن تطوير أنفسهم حتى صارت لهم حضارة سميت لأول مرة على إسم دين سماوي, ولو رفضوا وقتها التأقلم والإندماج مع تلك الحضارات علمياً وإجتماعياً لما قامت لتلك الحضارة قائمة ولما إستمرت عشرة قرونً بكامل قوتها, فالمعيار الأول لتقدم الشعوب وإحتلالها مكانه متميزة بين البشر هو التقدم والتطور الذي لابد وأن يساير, بل ويتفوق, على من حولها طبقاً للمعطيات والأسس التي تسود ذلك الزمان, وفي زمن حقوق الإنسان والعولمه والحريات بكل أنواعها من فردية أو إبداعية أو فكرية أو علمية لا يصلح معه تطبيق فكر زمن الرق والعبيد والسبي والغنائم والجواري وقضايا الحسبه وسمل العيون وقطع يد السارق والرمي من عل للمثلي والإعدام كعقوبة قانونية, كل تلك الأفكار لا وجود لها في المجتمعات الحديثة لأن الفكر الإنساني تجاوزها بمراحل ولم تعد حتى محل للنقاش, ومع إصرارنا على تطبيقها للعودة للزمن السحيق الذي نتصور جميعاً تصور خاطىء أنه كان مجتمع ملائكي (عكس ما تقوله كتب السيرة مثل إبن هشام أو أسباب النزول للسيوطي) في حين أنه كان مجتمع أقل من الطبيعي بلا حضارة حقيقية أو نظام حكم عادل أو سلوك إجتماعي سوي ...

حتى من الناحية السياسية لم يحدث في ذلك الزمان أن وجدت يوماً ممارسة ديموقراطية أو تداول سلمي للحكم أو نظام قانوني صارم يحفظ الحريات ويكفل المساواة لجميع أفراد الدول الإسلامية بمختلف معتقداتها وأديانها ومذاهبها (ولا ننسى هنا الوثيقة العمرية التي أصدرها الخليفة عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص حاكم مصر في ذلك الوقت كقانون عام لكيفية معاملة الأقباط), وهو ما إمتد تأثيره حتى زماننا هذا في معظم الدول العربية والإسلامية, وإذا جاء ذكر الديموقراطية ذكر البعض الشورى الإسلامية كبديل للديموقراطية الغربية, ولكن ينسى هؤلاء أن الخليفة أبو بكر الصديق تجاهل آراء تسعة من مجلس الشورى المكون من عشرة صحابيين أجلاء وإستقر على رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إتخاذ قرار مصيري تجاه من إمتنعوا عن دفع الزكاة, وطبقاً لهذا القرار تم قتل ما يزيد عن ثمانية وعشرين ألف نفس في حروب الردة الشهيرة, وحتى مع الأخذ في الإعتبار أن الديموقراطية لا تعني فقط الأغلبية, إنما هي ممارسة لها قواعدها وقوانينها وهياكلها التي لا تسمى ديموقراطية بدونها, إلا أن أبسط أمثلتها لم يتم تحقيقه في تلك الحادثه, ولم ولن يتم في ظل الشورى الإسلامية التي هي غير إلزامية للخليفة وإنما يشار من خلالها على الحاكم وله أن يأخذ بها أو يتجاهلها كأنها لم تكن طبقاً لهواه ومزاجه الشخصي, فأي ديموقراطية تلك؟ وعن أي شورى يتحدثون؟

إنعزال المسلمين عن العالم وتقوقعهم على أنفسهم والرغبة في العودة بالزمن للوراء هي أصل مشكلة العالم الإسلامي وتخلفه عن ركب الحضارة الحديثة بعشرات السنين, وإذا إتبع المسلمون الآن ما فعله أجدادهم الأوائل من إنفتاح على الآخر وتقبل لعلومه ومعارفه والإندماج في مجتمعاته وإكتساب عاداته وتقاليده ثم تطوير كل ما سبق لتشكل حضارة تأخذ دورها في التأثير على ما حولها لدارت عجلة التطور بكافة مناحيها ولإتخذ العالم الإسلامي مكانته التي يأملها بين الأمم, أما إذا إرتكنا لأخلاق الماضي وعاداته وتقاليده وخرافاته وبدائيته وممارساته التي تتنافى مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان فنحن بالفعل نستحق ما وصلنا إليه من إنحطاط وضحاله في كافة أوجه الحياة, بل قد لا نستحق تلك الحياة مستقبلاً ....

الثلاثاء، ٥ أغسطس ٢٠٠٨

هل حان الوقت لإعادة النظر في القنوات والبرامج الدينية التي تدعو لإلغاء الآخر وتحقيره؟


لا يخفى على أي متابع للقنوات والبرامج الدينية في العشر سنوات الأخيرة أن مجتماعتنا العربية بجميع أديانها وطوائفها لم تستفاد ولو بمقدار ذرة من المادة التي تقدم فيها سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي, بل العكس هو ما أنتجته تلك البرامج بمشايخها ومفتييها وضيوفها الذين ما إنفكوا يفرضون ثقافة إلغاء الآخر وتحقيره مع ممارسات شوفينية عنصرية عديدة تمجّد أصحاب دين أو طائفه معينه على حساب مثيلاتها وتجعلهم في مرتبة أعلى إنسانياً ممن يخالفونهم.

من الإعجاز العلمي مره بقيادة الدكتور زغلول النجار إلى التطرف شديد العنصرية بقيادة الشيخ يوسف البدري و د.محمد عماره إلى الدعوات المتعدده لقتال الكفار بقيادة شيوخ قناة الناس نجد أن الجميع يقدم مواد تزيد من عمق الفجوة بين المجتمعات العربية والعلم والإنسانية والتحضر, فمن منهم قدم بحث على أسس علمية بحته من تجريب وملاحظه وإستنتاج ومشاهده ليخرج لنا في النهاية بإختراع يفيد أبناء جلدته أو يثبت من خلاله نظرية لم تكتشف بعد أو يساهم عبره في رفع مستوى وعي شعوبنا المتأخرة في كل نواحي الحياة؟ لا أحد بالطبع, كلها إجتهادات لربط العلم بالدين ونزع صفات الإنسانية والتحضر من لُب الأديان ليبقى لنا فقط الحروب والدمار والإنتحار, والغريب في الأمر أننا عندما نطالب بالمنهجية العلمية في ربط ما جاءت به الأديان مع العلم نجد أنهم يبررون منهجهم الغير علمي بأنهم ليسوا علماء طبيعة وأحياء!

ولم تكتفي القنوات الدينية بكافة برامجها بمجرد الإفتاء والإعجاز العلمي, وإنما إستخدمت شعبيتها لدى المواطنين البسطاء لتفرض قوانينها على أياً ممن يخالفون منهجها حتى لو كانوا زملاء لهم في المهنه, فأصبح كل داعى للحوار مع الآخر "منبطح غير غيور على الإسلام ورسوله", وصار كل من يدعو لعدم الربط بين العلم والدين ناكر للمعجزات العلمية القرآنية, بل ووصل الأمر بأحدهم لإعتبار الداعيه عمرو خالد كافر لأنه لم يكفّر إبليس وقال إن الأخلاق أهم من الصلاة والصيام والحج والدعاء! ثم تراجع عن فتواه بدعوى أن عمرو خالد جاهل فيلسوف! وهنا بغض النظر عن إختلافي أم إتفاقي مع عمرو خالد إلا أنني سأحترم وجهة نظره أياً كانت, ولكن لن يصل الأمر في حال غياب منابر التكفير إلى الدعوى لنزع صفة الإيمان عن شخص فقط لأنه عبّر عن رأيه, وهذا الدور بالتحديد هو ما يجعلني أطالب الآن بمواجهة حاسمه وحازمه مع الدعايات التي تبث إناء الليل وأطراف النهار من خلال قنوات وبرامج دعاية دينية متطرفة لا تسمح بجو حرية الرأي والتعبير الذي ننشده والذي يتيح المجال للفكر التجديدي التقدمي الذي تحتاجه المجتمعات العربية كحل أخير للخروج من أزمة الظلام والخرافة والجهل الذي ترزح تحت نيره.

وإذا تناولنا من جهة أخرى المشاكل والأزمات التي كان السبب الرئيسي فيها البرامج والقنوات الدينية فهي لا تعد ولا تحصى, ومن أشهرها على الإطلاق الفتوى القائله بشرعية قتل السياح الإسرائيليين على الأراضي المصرية, وبالأدله الشرعية, وهي الفتوى التي فتحت النار على ملقيها ولم تهدأ الأمور إلا بعد ظهور بعض المشايخ ممن أفتوا, وبالأدله الشرعية أيضاً, بوجوب إعطاء الأمان للأجانب طالما إستضافتهم الدولة, ثم الفتاوى المستمرة التي تستبيح قتال كل من هو غير مسلم غير سني بدعوى أن الدين عند الله الإسلام وأن السنه هم الحق لإتباعهم سنة النبي, ولا ننسى الفتاوي المستمرة بشأن المرأة والتي في كثير منها تنحاز للعنصرية ضد المرأة وإعتبارها مخلوق أدنى مرتبة من الرجل, ومن أشهرها فتاوى الخلوة غير الشرعية على الإنترنت والتي تستلزم محرم والأخرى التي إعتبرت أن مجرد ظهور الأعين من وراء النقاب فتنه لابد من منعها! هذا بالطبع إلى جانب الفتوى الشهيرة بحرمانية خلع المرأة لملابسها أمام الكلب الذكر!

وهنا يبرز السؤال الأساسي, ما هو المنتوج الثقافي أو العلمي أو الإنساني الذي إستفاده المشاهدون من سيل الفتاوى المنهمره من كل حدب وصوب من الفضائيات؟ الفائدة الوحيدة (إن صح تسميتها بفائدة) هي إزدياد الشعور العام بأن المسلمين أفضل حال بالإسلام فقط وأن الدنيا زائله لا تستحق وأن الموت خير من الحياة وأن كل من هو غير مسلم غير سني على وجه التحديد مصيره جهنم وبئس المصير!

والعجيب في الأمر أن تجد تناقضات واضحه بين القنوات والبرامج فيما تنتجه من مواد, فتجد احدهم يكفّر الملل الأخرى التي على غير دين الإسلام, في حين تجد الآخر يبرأ أهل الكتاب من الكفر, وتجد أحدهم يصرخ بحرمانية تعلم علوم الكفرة التجريبية والإكتفاء بالعلوم الإسلامية القرآنية تجد الآخر يمّجد من العلم ويقول أن الإسلام حث المسلمين على طلب العلم ولو في الصين, وبإنتقالك من قناة لأخرى ومن برنامج لنقيضه تجد انك في دوامة لا تنتهي من الآراء المتناقضة شكلاً وموضوعاً والمتفقة على نفس الأساس, وهو الشريعة والأحكام الإسلامية المختلفة.

وبعيداً عن فتاوى التكفير وإلغاء الآخر والإعجاز العلمي, نتساءل, هل مواد تلك البرامج والفضائيات التي تتكلم عن الخير والشر والأخلاق والفضائل والفساد والفسوق جاءت بجديد؟ هل يستفيد الجمهور العربي عندما يأتي شيخ ليخطب ساعتين من الزمن ليخرج في النهاية بنتيجة واحده أن القتل والسرقة حرام وأن الإهتمام بالفقير والدعوة بالحسنى حلال؟ هل ننسى أن الحلال بيّن والحرام بيّن؟ هل نتغاضى عن أن الأخلاق وطبقاً للكتاب الأشهر (قصة الحضارة) لويل ديورانت وجدت قبل الأديان؟ وأن الأديان إنما جاءت فقط لتشذيبها وتقنينها؟ فما الداعى إذن للأحاديث المتكررة عن ماهو حلال وأخلاقي وماهو حرام وغير أخلاقي؟ المشكلة الحقيقية أن الحلول والبدائل لواقعنا الأليم لن تأتى من خلال تعريف الناس بالصواب من الخطأ وفقط, ولكن من تقديم خطاب ديني متجدد يهتم بمسايرة الدين للنواحي العصرية الحالية التي تختلف تمام الإختلاف عما كان الوضع عليه من أربعة عشر قرناً, وأن تتحول منابر القنوات الفضائية ومقاعد ضيوف برامجها من شيوخ التكفير وإرضاع الكبير وبول الرسول إلى الدعوة للتنوير والتثقيف والتجديد كما فعل من قبل الشيخ محمد عبده والدكتور طه حسين في أوائل القرن العشرين والدكتور خليل عبد الكريم في وقتنا هذا رحمهم الله جميعاً, مطلوب وبشدة أن يتحول الضيوف في تلك الفضائيات من شيوخ لا يرون غير الحرمانية والتكفير إلى فلاسفة من أساتذة الجامعات المختلفة وصحفيين مهمومين بالقضية التنويرية ودعاة مهمتهم الأساسية تجديد النص الديني, هؤلاء هم من نحتاجهم لمجتمعاتنا التي تعيش في ظلمات الجهل ومحاكم التفتيش على الضمائر وكبت حرية التعبير ومنع أي أصوات تغرد خارج السرب الوهابي البترودولاري, فهل من مجيب؟

الاثنين، ٢ يونيو ٢٠٠٨

العلمانية الألمانية والعلمانية المصرية, هذا هو الفرق








في نقاش مع صديق مقيم بألمانيا حول إشكالية الإختلاف بين مفهوم العلمانية في بلاد العرب عنه في بلاد الغرب ذكر لي محدثي واقعه حقيقية حدثت في جامعة كول الألمانية, مفادها أن مجموعة من الطلبه المسلمون يدرسون في تلك الجامعة تقدموا بطلب رسمي للإدارة بمنحهم قطعة أرض تكفيهم ليقيموا الصلاة عليها حيث أنهم يقضون جلّ وقتهم في الجامعة وبالتالي لا يستطيعون أداء فروض العبادة كما تقتضي تعاليم الدين الإسلامي, فقامت إدارة الجامعة مشكورة ومتفهمه بمنحهم قطعة الأرض دون أي إعتراضات تُذكر, ما حدث بعدها أن الطلبه الألمان ذوي التوجهات المسيحية المتطرفة إعترضوا على قرار إلإدارة بمنحها قطعة الأرض للطلبه المسلمون لأداء الصلاة دون أن يكون لهم نفس الحق في قطعة أرض يقيمون عليها صلاة الأحد, فماذا كان قرار الجامعة لحل تلك المعضلة؟ قررت الإدارة رفض طلب الطلبه المسيحيون لأن توفير قطعة أرض لصلاة يوم واحد ليست بأهمية توفير قطعة لصلاة يومية وخمس مرات على مدار اليوم !

تلك هي العلمانية بحق كما ننشدها, وليست علمانية منع التدين أو الإعتداء على الحرية الشخصية كما يزعم البعض, العلمانية في مثالنا السابق دليل واضح على أن الأزمة ليست في الدين أو الإيمان, فهاهي الدولة ذات الأغلبية المسيحية تقبل طلب ديني للمسلمين وترفض نفس الطلب للمسيحيين, والأفضلية هنا ليست لدين على حساب الآخر, بل لحساب العقل والمنطق فقط لا غير, دون شبهة تعصب أو إنحياز أو نصرة فريق ننتمي إليه على فريق آخر نعتبره منافس لنا, العلمانية هنا تعني العدالة والحرية والحيادية, حيادية الدولة تجاه مواطنيها أياً كانت إنتمائتهم, وليس مطلوباً من الدولة على الإطلاق أن تتخذ ديناً رسمياً لها فقط لأن أغلبية السكان يدينون بهذا الدين, بل مطلوب منها ألا تستخدم الدين كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو إجتماعية أو حتى إقتصادية على حساب جزء كبير من شعبها لا يدين به, ولا أعلم حقاً كيف تصف دولة نفسها بالعلمانية في حين أن دستورها ينص في مادته الثانية على أن الشريعة الدينية المصدر الرئيسي للتشريع ! خطوة مثل تلك إما أنها تعبر عن عدم فهم على الإطلاق لأصول العلمانية أو أنها تقرّب للغرب وعامة الشعب المتدين في وقت واحد (ضرب عصفورين بحجر), والعجيب في الأمر أن كل من يرفض العلمانية يرفضها فقط لأن التشريعات الدينية لن تُنفذ كما وردت في النص, في حين يتغاضى الرافضون عن أنها بالفعل لا تطبق في ظل ورود المادة الدستورية السابق ذكرها, ولا تستخدم التشريعات الدينية إلا في حالات الأحوال الشخصية أو في بعض الأحكام القضائية بصورة عشوائية حسب القضية نفسها, فالمادة الثانية هنا تُستخدم بشكل إنتقائي بحت, لا يستفيد منها العلمانيون ولا المتدينون, وبالتالي تبقى الأزمه قائمه, دولة علمانية التوجه دينية الدستور, علمانية من الخارج طائفية من الداخل, حيث أنها تنحاز لفئة دينية على حساب الأخرى, وهي الأزمه التي لابد أن نجد لها حل قريباً في ظل المد الديني المتطرف القادم من الشرق الصحراوي النفطي, وهو بالطبع نتيجته معروفه في حال إنتصاره, ستتحول جمهورية مصر العربية إلى جمهورية مصرستان الإسلامية كما هو الحال الآن في غزستان والعراقستان وكل ال (إستانات) التي تكونت بفعل الحركات الدينية السياسية .....

المسألة لم تعد تقتصر على مدى قبولنا أو رفضنا للعلمانية كنظام للحكم, فقد تجاوزت معظم دول العالم بكل تصنيفاتها من الأول للثالث تلك الإشكالية وإستطاعت النهوض والنمو فقط عندما تخلت عن الأفكار الجامدة التي لا تقبل سوى الحقيقة المطلقة كمعيار للحكم, المسألة تنحصر في كيفية تنفيذ العلمانية كنظام للحكم وللحياة أيضاً, فمن المعايير الأساسية للعلمانية التي نفتقدها في مجتمعاتنا أن الإختلاف في الرأي لا يعني على الإطلاق أن كلاً منا يعادي الآخر أو يحط من شأنه, وأن كوني أملك دين أو أيدولوجية أو معتقد غير الذي تملكه لا يعني أن أحدنا أفضل من الآخر مهما كانت تلك المبادىء, كذلك تعطى العلمانية قيمة أسمى للإنسان على حساب أي قيم أخرى, وتعتبر أن الإنسانية هي القيمة التي تجتمع عليها البشرية مهما إختلفت الأديان أو الإيدولوجيات السياسية أو الإنتماءات العرقية أو الوطنية, ومن أهم أسس العلمانية أيضاً ما يُعرف بالحرية المسئولة, وهي القدرة على أن تستخدم حريتك بكامل إمكانياتها على شرط ألا تؤذي غيرك بها, ونجد في مجتمعاتنا العربية أن تلك القيمة مفتقدة تماماً وأبداً للفهم المغلوط بشأنها, حيث نعتبرها فوضى وإنحراف وخروج عن العادات والتقاليد حتى لو كانت تلك الحرية شخصية بحته ولا تضر أحد, في حين أن العالم العلماني في الخارج تشبع بها لدرجة أن مستوى الأخلاق والمحافظه على الذوق العام هناك أفضل مئات المرات من دولنا المحافظه التقليدية المتدينه !

الفرق بين ما يحدث في جامعاتنا وما حدث في جامعة كول أنه لو حدثت تلك الواقعة في جامعة القاهرة مثلاً ولكن بشكل معكوس (المسلمين من طالبوا بقطعة الأرض ورفضت إدارة الجامعة) لقامت المظاهرات في الشوارع مطالبه بإنقاذ الإسلام ممن يهاجموه, وآمره بإرجاع الحقوق لأصحابها الأصليين, ولقامت جماعات صكوك الغفران الدينية بحشد الحشود التي لا تعى ما تقول وإلقائها في آتون المواجهه حتى تسنح لها مزيد من الفرص لتتقدم خطوة أخرى نحو إحكام السيطرة على العقول أكثر ثم السيطرة على مقاليد الحكم فيما بعد وبعث الخلافة الإسلامية من جديد, والأعجب أن موقف الحكومة وقتها سيكون المزايدة على العواطف والأحاسيس الدينية لدى الجماهير الغاضبة لتكسب أرضاّ جديدة في مواجهة جماعة المحتكرين للإسلام, وسيكون موقف الحكومة المتوقع هو معاقبة من أصدر القرار وإقصائه من منصبه (هذا لو تجرأ وقام بإتخاذ مثل هذا القرار الجنوني بكل المعايير), هذا هو الفرق بيننا وبينهم, وهو فرق لو تعلمون رهيب ....

الاثنين، ٣١ مارس ٢٠٠٨

دور التنوير في حل أزمات المجتمع المصري


ظواهر الفوضى التي يعيشها المجتمع المصري الآن متمثله في الغلاء وأزمة الخبز والفوضى المرورية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أننا بحاجه لمشروع علماني تنويري عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, فالعلاقة بين تفاقم أزمات مجتمع ما وإنخفاض درجة الوعي الجمعي لأفراده علاقة عكسية (كلما تفاقمت الأزمات كلما دل ذلك على إنخفاض الوعي الجمعي) وتلك العلاقة العكسية تفرض إحداث توازن بينهما وإلا ستصل الأمور لطريق مسدود نتيجته الوحيدة فوضى هدامه تأتي على الأخضر واليابس, وإذا نظرنا بعين فاحصة موضوعية للطرفين محور الأزمات (وأعني بهما الحكومة والشعب) سنجد أن الجانب الحكومي ينقصه التعامل بعقلية علمية تقدم الحلول بطرق تنظيمية وتخطيط مدروس وفي نفس الوقت لابد وأن يتجنب البيروقراطية والروتين والحلول العشوائية المسكنه التي قد تفاقم الأزمات بدلاً من إنهائها, ومن ناحية أخرى ينقص الجانب الشعبي تطبيق القوانين والتفكير بعقلية واعية تحقق توازن بين الشراء والإستهلاك وتتعامل بهدوء مع الأزمات دون عشوائية أو إنفعالات زائدة فوضوية.

المشكلة الحقيقية التي تواجه الجانبين هي غياب التفكير العلمي والمنهجية في التعامل مع الأزمات, وهي نفس المشاكل تقريباً التي واجهت أوروبا في عصر ما قبل النهضة حين ترافقت العقلية الإستبدادية في السياسة (الإقطاع والكنيسة) مع إنتشار الجهل والخرافة بين أفراد الشعوب (إنخفاض الوعي الجمعي), وقتها ظهر الفلاسفة التنويريين والساسة العلمانيين أمثال فولتير وديكارت وجان جاك روسو ليقودوا أوروبا بأكملها للتنوير والعلمانية والتحضر ثم الإنطلاق في سماء الحرية والديموقراطية والإكتشافات العلمية التي غيرت وجه التاريخ, ترادف التنوير والعلمانية مع التقدم والإزدهار هو ما يدفعنا الآن للمطالبة بسرعة بلورة مشروع قومي يضع المثقفين التنويريين والساسة العلمانيين في مقدمة راسمي سياسات الدولة المختلفة ووضع قواعد وأسس جديدة تنظم العلاقة بين الفرد والمجتمع من ناحية, والمجتمع ومنظومة الحكم من ناحية أخرى, وإذا وضعنا أهم النقاط التي يجب أخذها في الإعتبار عند تنظيم علاقة المجتمع بالدولة سنضع في مقدمتها ضرورة إحترام الحكومة للمواطن وجعله في بؤرة إهتمامها وإعطاؤه الشعور بأن رأيه ذو أهمية ويعتد به إلى جانب الإهتمام الدائم برفع مستوى معيشته, وقتها سيجد المواطن أنه لابد وأن يحترم المنظومة التي تحكمه بكامل مستوياتها بدءاً من شرطي المرور وحتى رئيس الجمهورية متضمناً الدستور والقوانين طالما ترسخ لديه الشعور بأنه ترس فاعل وقادر على التأثير والتغيير, تلك العلاقة التي تتميز بالإحترام المتبادل والتفهم والشفافية هي البداية الحقيقية لحل الأزمات ومواجهة الفوضى, إلى جانب توافر الحلول الإقتصادية والإجتماعية والسياسية من جانب المثقفين والعلمانيين, ولكي تكتمل منظومة التنوير لابد من البدء بإصلاح كافة مستويات التعليم المختلفة وفوراً جنباً إلى جنب مع بدء مشروع ثقافي على غرار القراءة للجميع ولكن أكثر تكثيفاً وأعمق أهدافاً على المدى الطويل, حيث انه سيضع اللبنه الأولى لمجتمع يملك درجه من الوعي تؤهله لحل مشاكله بعقلية علمية ومتحضرة إلى جانب منظومة حكم تقودها عقول تملك هم تنويري حقيقي تجاه شعبها.

الأحد، ٣ فبراير ٢٠٠٨

عندما يقتل الأب إبنه, ماذا يتبقى ؟



صدمني تصريح والد الشاب محمد حجازي الذي قال فيه أنه سيدعو إبنه للرجوع عن قراره بتغيير ديانته من الإسلام للمسيحية وإذا لم يتراجع سيقتله بيديه, فهل وصلت ضريبة حرية الرأي والفكر لدرجة فقدان الحياة ؟ بل ويقتل بسببها أب إبنه بدم بارد ودون أدنى إعتبار للصلة الدم بينهما ؟

معركة حرية الفكر والتنوير مع قوى الظلام والرجعية وصلت لحد لا يمكن من بعده الإرتكان للزمن حتى يتكفل وحده بفض النزاع بينهما, فالصراع الآن بدأ يصل للتصفية الجسدية والإقصاء بقبض الأرواح, وهي درجة لا ينبغي السكوت عليها ولا إعتبارها طبيعية أو غير موجودة, وأن تصل الأمور لدرجة قتل الأب لأبنه مع سكوت كامل يمكن إعتباره تواطىء من التيارات الإسلامية التي تدّعي الوسطية والعقلانية لهو حد الخطر الذي تثار عنده الهمم لوقفه عند حده وإلا فإن القادم بالغ السوء والسوداوية .....

ومن جديد تدور التساؤلات حول ماهية الإنتقال من دين أو معتقد لآخر وهل هو خيانة عند البعض وحرية عند البعض الآخر أم هو حكم عام بالنسبه لجميع الأديان ؟ وهذا التساؤل مشروع تماماً إذا تذكرنا الحفاوة التي إستقبل بها علماء المسلمون والعامة بالطبع خبر إسلام روجيه جارودي المفكر والفيلسوف الفرنسي المسيحي, وعلى الناحية الأخرى الإستهجان العميق والهجوم الفادح على شاب بسيط لم يتجاوز الثلاثينات من العمر لا هو بالمفكر ولا بالعالم ولا الفيلسوف لمجرد قيامه بنفس الخطوة وهي الإنتقال من الإسلام للمسيحية, وعندما إنتقد بعض المتطرفين المسيحيين خطوة روجيه جارودي تعالت الأصوات الإسلامية التي تقول أن ما فعله يندرج تحت بند حرية الفكر التي تشرّعها القوانين الفرنسية ولا ضرر ولا ضرار مما فعله, مع أن نفس تلك الأصوات هي التي تنادي الآن بضرورة إقامة حد الرده على محمد حجازي إذا لم يستجيب للإستتابة ثلاثة أيام, بل ورحبت بقرار والده بقتله بيديه إذا لم يتراجع عن قراره, وهو ما يرجع بنا مره أخرى لنقطة الصفر, لماذا الكيل بمكيالين ؟ ولماذا تعود من جديد محاكم تفتيش القرون الوسطى بعد ما وصلنا لإعلان ميثاق حقوق الإنسان ؟

الرغبة المحمومه لجمع المزيد من الأتباع عن طريق الدعوة والحفاظ عليهم عن طريق الترغيب والترهيب وحد الردة هي أصل كل تقويض لحرية الفكر والإعتقاد وهي أيضاً أسرع وسيلة لنشر الفتن الطائفية والكراهية والحقد بين الأطراف المختلفة عقائدياً, وعندما يصل التعصب بين الطرفين لمداه يفقد الأتباع العقل والمنطق ويستغل القادة جنون التعصب في تأجيج المشاعر الحماسية وإشعال القلوب بكلمات تقطر تحريض وعنف وتطرف, وفي النهاية يذهب الأتباع ضحايا قوادهم, ويصبح القواد نجوم مجتمع بارزون, كلمتهم مسموعه في وسائل الإعلام, وصورهم تغطي الجرائد, وتتابع أخبارهم الفضائيات, ونرى منهم من يظهر ليقول أن الأديان أصلها واحد ووجب على أتباعها الحب والتآلف ونبذ أي خلافات, ونرى آخر يعانق قائد من الجبهة الأخرى في إشارة للوئام والمودة التي تجمع الفريقين, وفي نفس توقيت عناقهم الودي نجد في الكشح كلا الطرفين في وئام من نوع آخر, وئام الأسلحة النارية والدم, وتتكرر المشاهد بطريقة مملة للمشاهدين والسامعين في العديسات والأسكندرية وغيرها, وتستمر المشاهد العبثية بين قادة يصرون على أن الأمور هادئة والحب يعم الطرفين من ناحية, وعندما يبتعدون قليلاً عن عدسات المصورين وميكروفونات المذيعيين يقولون للأتباع الغلابة لا تصدقون كل ما تسمعون, الجانب الآخر كافر وينبغي محاربته وإلا سينتصر علينا, وتدور دائرة العنف والطائفية لنهاية محتومه لا مخرج منها سوى بإيقاظ العقول الغافلة والإهتمام بالأمر الواقع والبعد عن التصريحات الوردية التي تضر ولا تفيد .....

التفكير بعقلانية ومنطق هو المطلوب في تلك اللحظه الخطيرة التي تواجه النسيج المصري الذي لطالما كان أقوى من أن يتفتت بأيدي غريبة قادمه من صحراء جرداء لا تعرف لغة غير البداوة والتعصب القبلي, والعقلانية والمنطق تحتم علينا أن ننظر للأمور بنظرة موضوعية محايدة بعيداً تماماً عن أي إنتماءات فكرية أو عقائدية حتى ننقذ ما يمكن إنقاذه, ومن هذا المنطلق نوجه لأنفسنا هذا السؤال, ماذا سيحدث لو إعتنق كل فرد ما يراه مناسب له من دين أو أيدولوجية معينة طالما لا يؤذي من خلالها مجتمعه أو نفسه ؟ ما الضرر الذي سينشأ من نشر حرية الفكر بين المواطنين دون قيد أو شرط سوى ألا يفرض هذا الفكر على غيره بقوة السلاح أو حتى بقوة الكلمة ؟ هل نطالب بحرية إنشاء الأحزاب وننسى أن نطالب بحرية الفكر الفردي ؟ ما الذي جنيناه من التعصب والتطرف سوى الإرهاب والعنف الطائفي والكراهية ؟ هل يرضى الله عن أتباعه عندما يقتل الأب إبنه ويذبح الأخ أخاه وتقتل الأم طفلها بإسمه وإسم الدين ؟ كلها أسئلة لابد من أخذها في الإعتبار حتى نصل لحلول وسطية تمنع ما نراه من بدايات لشرارة فتنة قد تأخذ الأخضر واليابس إذا لم نوقف مشعليها ونتخذ من العقل المعيار الأول للحكم ....

الاثنين، ٣١ ديسمبر ٢٠٠٧

عبقرية الشعب المصري


يعاني الشعب المصري كثيراً في الربع قرن الأخير كما لم يعاني من قبل في تاريخه الحديث وبالتحديد بعد إستقلاله, يأس الكثيرون وأحبط الشباب ودبت الروح الإنهزامية من جديد وكأنها قدر مكتوب لا فكاك منه ولا هروب, كل ما يحيط بالشعب المصري حالياً يدعو إما للهجرة أو الإنتحار أو حل عبقري يتعايش من خلاله المصريين مع واقعهم الأليم متكيفين معه ومندمجين في منظومته, وكالعادة, وكما يقول التاريخ لم يستسلم الشعب المصري لآلمه ومآسيه, بل شرع في ضبط إيقاع حياته على وضعه الجديد ومن خلال حيل أقل ما يقال عنها أنها عبقرية بحق وتنم عن خبرة تاريخية طويلة وعميقة تتوارثها الجينات الوراثية المصرية بأمانه ودون كلل أو ملل, فنرى مثلاً أنه عند دخول مصر في عصر الفضائيات المشفرة وقانون (إدفع لتشاهد) لم يلبث الشعب المصري كثيراً أمام تلك المعضلة الجديدة ولم يستسلم لها, بل إنطلقت العقول العبقرية المصرية لتحلق في سماء الفضائيات والشبكات هي الأخرى لتلقن الرأسمالية الوحشية (وهو ما سنراه كثيراً كدليل على الرفض المصراوي القاطع لها) درساً علمها كيف ترحم المنسحقون تحت تروسها بل وتستجديهم لئلا يسحقوها, فأنطلقت الشبكات الأرضية في مدن ومحافظات مصر كالنار في الهشيم, وفي خلال أقل من سنه صارت مباني مصر كشباك العنكبوت, ولم يخلو بيت من (وصله) تسلي أفراده وتشعرهم بنصرهم على من يستغل حاجتهم, ولم تكن كابلات الوصلات اللاعب الوحيد في رسم خيوط بيت العنكبوت, ولكن دخلت وصلات الانترنت كمنافس قوي وعنيد ويتضخم بإستمرار أيضاً بعد تزايد الحاجه لها وإرتفاع أسعارها نسبياً بالنسبه لدخول المصريين, ومما زاد الطين بله ما فعلته وزارة الإتصالات من نظام جديد بنصف الثمن نعم, ولكنه يحدد الدخول للإنترنت بستين ساعه شهرياً فقط, وهو مما زاد من درجة العناد لدى الشباب وحمسهم أكثر لإقامة الشبكات وليتحمل الرأسماليون نتيجة جشعهم, ومن معركه لأخرى تنتقل كتائب الشعب المصري العبقرية لتضرب بيد من حديد على جشع التجار وتهاون الحكومة وتداعى النظام, فعندما وجد المصريون أنفسهم أمام تصريح قاسي (كالعادة) لوزير المالية يوسف بطرس غالي يقول فيه (زمن السلع الغذائية الرخيصة إنتهى) لم يجدوا بداً من اللجوء للحلول العبقرية حتى تستمر الحياة, فصارت العروض المخفضه التي يتنافس على تقديمها متاجر السلع الغذائية هي الأساس وليست الإستثناء, وخاصم المصريون المجمعات الإستهلاكية وإنطلقوا للشراء من البائعين المتجولين والأسواق الشعبية المنتشرة في الأحياء المتوسطة والفقيرة, وعندما إفتقد المصريون اللحوم الحمراء والأسماك توجهوا للدجاج مستغلين إنخفاض أسعاره نسبيا وتنوع أطباقه كتعويض مرضي عن فقدانهم للحوم, وفي أزمة أنفلونزا الطيور لم تيأس العبقرية المصرية من الوضع, بل تكيفت مع ما أستجد ورضيت ولو مؤقتاً بأقل القليل من البروتين الحيواني على أمل أن تعود الأمور لما كانت عليه, وعلى الصعيد الإجتماعي إزدادت الأمور سوءاً مع الشباب من الجنسين, فمع تأزم الوضع الإقتصادي وإنخفاض مستوى المعيشة وبالتالي فتور الشباب على السعي للزواج تفاقمت أزمة العلاقة بين الجنسين, وصار كلاً منهما يفكر في الآخر إشتهاءا وحاجه ورغبة, وكلما إزدادت الهوة بينهما كلما إرتفعت نسبة الإنجذاب جنسياً بصورة مطردة, فظهر للوجود من جهة الجنس اللطيف ظاهرة الحجاب المتحفظ بداية, ثم المودرن بمرور الوقت, حتى وصلت الأمور لتغطية الشعر ظاهرياً من أعلى وتعرية باقي الجسم فعلياً من أسفل, ثم توالت ردود الفعل للتغلب على شهوة الجنسين مثل الإسدال والنقاب الذي بدأ الإنتشار بصورة ملحوظة بعد فشل الحجاب في إطفاء لهيب الرغبة المستعرة, ولم تكن ردة الفعل العكسية تلك حكراً على الجنس اللطيف فقط, بل إمتدت للذكور أيضاً عندما إتجه قطاع ليس بالقليل منهم للجماعات الدينية بمختلف أشكالها وأنواعها, ومنهم من إلتزم بمظهر بدوي صحراوي وجد فيه الزهد والتقشف, ورخص الثمن أيضاً, وبالطبع أتاح الإلتزام الديني قدر أكبر من كبت الشهوات مما ساعد على علاج المشكلة الجنسية ولو مؤقتاً, ثم إتجه الشباب الجامعي على وجه الخصوص للزواج السري العرفي كبديل لا مفر منه لصعوبة الزواج وعدم قدرتهم على تلبية متطلباته, ولم يقف الزواج العرفي عند طبقة أو ثقافة معينة, فقد إنتشر كموضة بعد ظهوره كحاجه, وأصبح من أقصر الطرق لإشباع الرغبات والحصول على حياة زوجية بأقل التكاليف الممكنه حتى لو كانت زيجات مؤقتة, وتوالت الحلول العبقرية إزاء التغلب على المشكلة الإجتماعية الإقتصادية المشتركة, فظهرت أسواق الملابس منخفضة السعر, والأجهزة الكهربائية الصينية ذات الجودة الرديئة ولكن بسعر يناسب ردائتها, وبدا أنه من الممكن فك لغز مواصلة الحياة بالقدر الأدنى إذا إستمرت العقلية المصرية في إبتكار البديل دوماً ودون يأس, فبدأوا في ممارسة العادة المصرية الأصيلة في إطلاق النكات على نظام الحكم, ثم خاصموا العمل السياسي نهائياً بأحزابه وإنتخاباته وإستفتاءاته, وتوحدوا مع رموز شعبية بسيطة حققت حاجتهم للسياسة من جهة وقدمت حلاً عبقرياً لمواجهة نظام الحكم من جهة أخرى, وظهرت للوجود بدائل مثل إتحادات طلبة الجامعات الحرة (المنشقة عن الإتحادات الحكومية), كذلك ظهرت مجالس النقابات الموازية, والحركات الشعبية البسيطة كبديل للأحزاب الضعيفة, ومن السياسة للتعليم تتواصل مفردات العبقرية المصرية في فرض حلولها, فمع إنخفاض مستوى التعليمي والثقافي والمنهجي للمدارس الحكومية وعجزها عن تلبية مطالب الطلاب في التلقين بما يكفي للنجاح ودخول كليات القمة ظهرت فكرة الدروس الخصوصية كعامل مساعد بداية, ثم بديل كامل للمدارس بمرور الوقت, وتطورت الفكرة أكثر لتأخذ الدروس شكل شبه رسمي ممثلة في المراكز التعليمية التي إنتشرت إنتشار سريع محققه أرباح خيالية لأصحابها وللعاملين بها وعلى وجه الخصوص طبعاً المدرسين, وأصبحت المادة هي الرابط الرئيسي بين الطالب والمعلم, وتوارى العلم خجلاً كوسيلة بغية الوصول للكلية المنشودة من جهة الطالب وإرتفاع مستوى المعيشة بالنسبه للمدرس, ثم توالت البدائل ممثله في المدارس الخاصه ذات المصروفات الباهظة والمستوى التعليمي المتميز, وتحققت المعادلة بين الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء, فإتجه الأغنياء للمدارس الأجنبية واللغات, وإتجه متوسطي الحال للمدارس التجريبية والخاصه, وإكتفت الطبقة الفقيرة بالمدارس الحكومية مع مجموعات التقوية والدروس الخصوصية المنزلية على إستحياء وهم بالطبع الخاسر الأكبر في تلك المعركه التي لا يزال أمامها العديد من المصاعب وأهمها على الإطلاق الجدل الدائر حول إلغاء مجانية التعليم لنعود للوراء أكثر من خمسون عاماً كفاح المصريين خلالها لينالوا حقهم الطبيعي في تعليم جيد منخفض التكاليف, ولم تنس العبقرية المصرية الدين وسط كل تلك التحديات والمعارك, فظهرت الموروثات الشعبية الدينية التي تحض على الرضا بالمحتوم والإنصياع التام للقضاء والقدر والنصيب وشاعت ثقافة الإتكال والرزق الذي سيأتي كما هو مقدر مهما سعى الإنسان له, ولم تكتفي الموروثات الدينية بروح الإستسلام فقط, بل ساهمت أيضاً في التخلف عن ركب الحضارة والثقافة والفنون إراحة للعقل وتوفيراً للنفقات عن طريق تحريم الأخضر واليابس منها, وكثر الحديث عن فتاوي التحريم بداية من الفنون بجميع أشكالها ونهاية بالتنقيب في نفوس الأدباء والشعراء بحثاً عن كلمة أو لفتة يكفرون من خلالها, وسادت الفكرة القائلة بأن الماضي أروع من الحاضر والمستقبل, وأن الرجوع إليه سيحقق المدينة الفاضلة والأخلاق الحميدة والرخاء الإجتماعي والإقتصادي, فظهرت أفكار تحض على إسترجاع الخلافة الإسلامية, وعودة فكرة الشورى الغير ملزمة للخليفة, وإقامة الحدود, والإلتزام بالزي الإسلامي, وأسلمة كل مظاهر الحياة بداية من الأعراس والمآتم ونهاية بحف الشوارب وتقصير الثياب, وإنتشر الفكر المناهض للثقافة والحريات والديموقراطية والمجتمع المدني ممثلاً في رفض الحضارة الغربية بكافة مظاهرها وتطبيق هذا الرفض فعلياً على أرض الواقع في مجتمعنا الشرقي, وهنا كان البديل الديني العبقري رد قاسي على الحكومة العلمانية التي تطبق ديموقراطية شكلية ديكورية ذات طابع رأسمالي متوحش لا يعني بالطبقات الفقيرة ولا المتوسطة, وإنما جلّ إهتمامها هو طبقة الأغنياء والمترفين ذات الأقلية العددية والمكروهة شعبياً, ولم تقف الأمور عند هذا الحد, بل إستمر الدين كبديل عن السياسة في إنتخابات مجلس الشعب والنقابات, وبرز تيار الإخوان المسلمون على حساب وجوه حكومية شاخت وأفلست ولم يعد لديها ما تقدمه سوى الإستفزاز والتجاهل والعناد والذي أدى بالطبع لرد فعل مساوي في القوة ومضاد في الإتجاه من جانب المواطنين.

عبقرية الشعب المصري لم تكن دوماً موفقة في نهجها وطرق معالجتها لمشاكل الحياة اليومية, ومن أسوأ نتائجها على الإطلاق ترسيخ ثقافة التكيف مع الوضع الحالي بدلاً من مواجهته وتغييره بالوسائل الشرعية التي تضمن الحصول على الحقوق مع ضمان سلامة المجتمع, ولم تأخذ عبقرية المصريين طريقها الصحيح المحتوم للتطور إلا في الفترة الأخيرة بعد إستخدام سلاح الإعتصامات والمظاهرات كوسيلة جديدة غير سلبية كسابقاتها, فعندما شعر العامل المصري البسيط بأن حقه المهضوم سيصل به للنهاية المحتومة بالقضاء على قدرته على التكيف مع واقعه نهض وانشأ الإتحادات العمالية البديلة للإتحادات الحكومية والتي نجحت نجاح غير مسبوق في إسترجاع الحقوق وفرض كلمة العمال على النظام ممثلاً في مجالس الإدارات الحكومية وإتحاداتها, وظهرت في مصر حركة إعتصامات غير مسبوقة من الأسكندرية لأسوان, وإشتعلت المصانع والهيئات الحكومية وحتى بعض الإدارات داخل تلك الهيئات بنار المطالبة بتحسين مستوى المعيشة وإلا سيتوقف العمل وتتعطل المصالح, ونجحت الإعتصامات حتى أضحت هي القاعدة والإستقرار هو الإستثناء, ومع ذلك لا يمكن إنكار دور التكيف مع الظروف في الحفاظ على تماسك المجتمع وتأدية الغرض منه في البقاء على قيد الحياة رغم كل المصاعب والمشاق والأهوال التي يعانيها المواطن المصري في سبيل تحقيق هذا الهدف البسيط.

الخميس، ١٣ ديسمبر ٢٠٠٧

ما بين سطور المراجعات الفقهية, نرجو الإنتباه قبل فوات الآوان


هاقد ظهرت أخيراً إلى النور وثيقة المراجعات الجهادية بعد طول إنتظار, وهاقد رأينا كيف تنازل أصحاب الأفكار الجهادية عن أيدولوجياتهم في سبيل مجتمع أفضل, ورغم كم التنازلات الرهيب في الأفكار والمواقف إلا أن بين السطور تتوارى الكثير من الألغام التي قد تنفجر في أي وقت مستقبلاً ما لم يسارع أصحاب الأقلام النقدية في إبطال مفعولها, وإذا كان الكثير من المفكرين والسياسيين قد تملكتهم الفرحة من صدور تلك المراجعات لما فيها من أفكار إيجابية فإن الكثير أيضاً تخوفوا مما جاء من بين السطور تخوفاً عظيماً, وهم لهم كل الحق فيه ودون أدنى شك, وفيما يلي نستعرض بعض الأفكار التي دُست في الوثيقة كالسم في العسل علنا ننتبه لها قبل أن تصبح نبراساً يسير عليه الجهاديين الجدد بعد تنازلهم عن الموروثات القديمة :

1 – يقول الدكتور سيد إمام في حديثه عن (مجهول الحال) :

وقديماً كان يحكم لمجهول الحال في دار الإسلام بالإسلام, ومن هنا قال النبي-ص- :"تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" رواه البخاري, لأنه لا يجوز إبتداء غير المسلم بالسلام, وانما كان يحكم لمجهول الحال بالإسلام لأسباب منها :

1) التمييز في الهدى الظاهر (المظهر) بين المسلمين وبين غيرهم, إذ كان يجرى إلزام أهل الذمة بلبس الغيار (الثياب المغايرة للبس المسلمين).

2) إقامة حد الردة على من ينقض إسلامه من المسلمين.

ومع غياب هذين الأمرين لا يمكن القطع بالإسلام لمجهول الحال الذي لم يظهر منه شيء من علامات الإسلام أو الكفر.

ينتهي كلام الدكتورسيد إمام, ولا ينتهي الحديث عن نظرة المتشددين لغير المسلمين أو المرتدين, فلازال الإرث القمعي لغير المسلمين موجوداً, ولازالت النظرة الدونية سائدة لم ولن تتغير, فقط الذي تغير (وعلى ما يبدو أنه يسبب الضيق للجماعات) أن الزمان لم يعد يسمح بتلك الممارسات كما كان يسمح به سابقاً, فأصبح أهل الذمة (للأسف) يلبسون كأهل الإسلام, والمرتد صار طليقاً حراً لا يقتل (مع الألم) كما كان يحدث سابقاً, ومن هنا صار التعرف على مجهولي الحال (غير معروف إيمانهم من عدمه) مستحيل, ولو كانت الأمور كما في الماضي الجميل لجروا من رقابهم إلى محاكم التفتيش لنعبث في قلوبهم وعقولهم ونقيس مدى شدة الإيمان وعلى أساس النتيجة سيصنف البشر مستويات, قوي الإيمان جداً, قوي فقط, جيد, ضعيف, معدوم, ولكلاً منهم ثوابه أو عقابه بالطبع, ومما يحار العقل في تفسيره إصرار الجماعة على عدم الإبتداء بالسلام على غير المسلمين, كأنهم ليسوا بشراً أو في مرتبة أقل من المسلمين في مملكة الكائنات الحية, ورغم عدم إنسانية هذا الطرح على الإطلاق إلا أننا نرى إصرار غير طبيعي عليه كأنه فرض على المسلم لا يستقيم إسلامه بدونه.

2 – يقول الدكتور سيد إمام :

في حال علو المسلمين وتمكنهم وقدرتهم على الحرب وغلبة الظن بالظفر لا يجوز مسالمة الأعداء لئلا يفضي هذا إلى ترك الجهاد وإستفحال خطر العدو, وهذا كله – وكما سبق – مع العلو والتمكين لا مع العجز والإستضعاف.

ويقول أيضاً في ذات السياق :

وحتى مع المرتدين يتصرف المسلمون معهم بحسب قدرتهم ومصلحتهم, فقد خرج مسيلمة في حياة النبي – ص – وقدم عليه بالمدينة ثم أرسل رسوله (ابن النواحة) إليه وسكت عنهم, ولم يقاتلهم المسلمون إلا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وإن كان قد قال : "إن كفر الردة أغلظ بالإجماع من الكفر الأصلي" في (مجموع الفتاوي ج28), وقال أيضاً : "إن المرتد لا يهادن ولا يقر على الردة بالجزية كالكافر الأصلي", إلا أن هذا كله عند قدرة المسلمين وعلوهم وتمكنهم من جهاد المرتدين.

ما يُفهم من كلام الدكتور سيد لا يحتاج إلى تفسير, فهو يؤكد وبصراحة يُحسد عليها أنه في حال تمكن جماعتة (أو أي جماعة ذات فكر إسلامي) من الحكم والإمساك بمقاليد قوة الدولة لن يتوانى عن الحرب, والحرب فقط, ولا سبيل لسلام أو محبة أو ود مع الجيران الكفرة, حتى لو في مقدورهم السلام فلن يقيموه, لأن الجهاد أهم, والقتال له الأولوية ومحو الآخر هو الغاية, وهذا الأمر لا يسري على الجيران الكفرة فقط, بل يمتد أيضاً لأي مسلم يرتد عن دينه في الداخل أو الخارج, ولم يذكر الدكتور سيد حكمه على غير المسلمين في أرض الإسلام, هل في حالة التمكين سيجاهدون ضدهم أيضاً ؟ أم سيتركونهم لحال سبيلهم لأن الجهاد الخارجي أولى ؟ في كل الأحوال نرى أن الفكر الجهادي لا يزال يطل برأسه من المراجعات (السلمية), فقط عند التمكين سيتحول لواقع عملي لا شك فيه ولا إبطاء في تنفيذه, فهل ننتظر تمكين الجماعات من الحكم حتى تتحول مصر لقاعدة جهادية (حكومية) تنطلق لتغزو أراضي الكفار من حولها ؟ وهل ستقام محاكم التفتيش مرة أخرى لتنقية المسلمون من المرتدون ومن ثْم تنفيذ حكم الردة عليهم ؟

3 – وفي معرض حديثه عن أوقات التمكين والإستضعاف يقول الدكتور سيد إمام :

كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول) ما حاصله :

"فمن كان متمنكاً في أرض أو وقت عمل بآيات قتال المشركين وأئمة الكفر, ومن كان مستضعفاً عمل بآيات العفو والصفح والإعراض عن المشركين", ولابن القيم مثله في كتابه (أحكام أهل الذمة).

ومما سبق نستنتج أن نظرة شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده الدكتور سيد إمام للقرآن الكريم نظرة مزاجية بحته, فيقسمونه لأجزاء يستخدمون منها كل جزء على حدة في أوقات بعينها, فهم في حالة الضعف يصفحون ويتسامحون ويعرضون عن المختلفون معهم, وفي حالة القوة والتمكين لا يتوانون عن ذبح المخالف في أقرب فرصة طالما إمتلكوا القدرة على ذلك, وفي الحالتين يستندون للدليل القرآني على أفعالهم المتناقضة, فهل يوجد عبث أكثر من هذا ؟ هل يستوي ربط المطلق بالمحدود ؟ هل يدخل العقل أن نستخدم القرآن في حالتين متناقضتين لإصباغ الصبغة الشرعية على تناقض الأفعال ؟ مع الإصرار بالطبع على وصم المختلف بالمشرك أو الكافر, وهو ما نراه عبر الوثيقة من أول صفحة فيها لآخرها, فلا مجال لكلمة (الآخر) على الإطلاق, ويحار العقل كثيراً في جرأة الدكتور سيد إمام على الإستشهاد بكتابات ابن تيمية على طول الخط في وثيقة يفترض أنها سلمية وتدعو للتسامح, ومن المعروف عن كتابات ابن تيمية أنها مليئة بالفكر الجهادي السلفي الذي لا يملك في مواجهة الآخر سوى قتلة أو على الأقل إعتباره عدو أبدي إلى أن يعلن إسلامه مرغماً أو مقتنعاً, ومن المثير للعجب في الإقتباس أعلاه أن نجد شجاعة غير عادية في إستخدام الآيات القرآنية بتلك الصورة المخجلة, ويأتي السؤال الأساسي بناءاً على ما أورده الدكتور, هل القرآن يدعو (بالمطلق) للتسامح والصفح والعفو, أم يدعو (بالمطلق) لقتال الكفرة والمشركين ؟ أيهما نصدق ؟ آيات التسامح أم آيات القتال ؟ بأيهما نسترشد, الآيات التي تدعوا لإحتواء الآخر أم التي تدعو لقتاله ؟ بما فعله ابن تيمية ومن بعده الدكتور سيد إمام نقف على معضلة لا طاقة لنا بمواجهتها, هل إستمدت الجماعات الجهادية فكرها من القرآن في حالة جهادهم ضد المجتمع الكافر وإستمدت من نفس المصدر الفكر السلمي الآن ؟ كيف يستقيم أن تستمد من نفس المصدر (المطلق) فكرين متناقضين ؟ تلك هي المسألة.

4 – في موقع آخر للحديث عن الجهاد يقول الدكتور سيد إمام :

إن من له إمام أو أمير لا يجوز أن يفعل شيئاً من ذلك إلا بإذنه لقوله تعالى : (نما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه...) "النور : 62", وفي الصحيح أن النبي – ص- قال : "من أطاع الأمير فقد أطاعني, ومن عصى الأمير فقد عصاني" متفق عليه, ولهذا قال الفقهاء : (وأمر الجهاد موكول إلى الإمام) ذكره ابن قدامه الحنبلي في كتابه (المغني).

ثم يقول :

أن الغزو مع مع الأمير الفاجر القوي أفضل من لغزو مع الأمير الضعيف التقي, والقوة والضعف هنا هما بالنظر إلى خبرته بالحروب, وقال أحمد : "إنما فجوره على نفسه وقوته للمسلمين" وذلك لأن مقصود الجهاد إظهار الدين.

ويقول في موضع آخر :

وأعلم أن السمع والطاعة هما في الأصل لله وللرسول – ص – أي للدليل الشرعي من الكتاب والسنة لا لشخص الأمير, ولهذا أمر الله بالرجوع إلى الدليل عند التنازع مع ولاة الأمور وغيرهم قال تعالى : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) "النساء :59), فلا تقبل أمراً يخالف الشريعة.

وإن كان أميرك أو مسؤولك فقيراً في العلم الشرعي فلا تقبل منه شيئاً تستريب فيه إلا بفتوى من مؤهل لذلك, وفي الحديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" حديث صحيح, لأن مثل هذا الأمير حكمه كالعامي يجب عليه أن يستفتي أهل العلم ويسألهم لا أن يفتي غيره.

وهنا نقع في ذات المشكلة, من نصدق ؟ الدكتور سيد إمام يحض في موضع على طاعة الأمير دون شروط مسبقة مستنداً إلى حديث شريف, ويعود في موضع آخر ليحث المسلمين على عدم الطاعة الأمير فيما يخالف الشريعة مستنداً إلى القرآن والسنة ! ومرة يقول أن طاعة الأمير الفاجر القوي أفضل من طاعة الأمير الضعيف التقي, ثم يعود فيقول أنه لا طاعة لأمير يخالف الشريعة ! فهل يوافق الأمير الفاجر الشريعة حتى نتبعه ؟ أين المعايير الثابتة التي سيسير عليها فيما بعد من يتبعون الوثيقة ؟ يطيعوا الأمير طبقا لحديث الرسول أم يرفضوا طاعته طبقاً للقرآن وحديث الرسول ؟ يتبعوا الفاجر القوي أم يعارضوا الأمير المخالف للشريعة الذي يحتمل أن يكون فاجر وقوي أيضاً ؟ وفي حالة الإلتزام بطاعة الأمير ولو كان فاجر, هل وقتها سيكون لزاماً على أتباعه تنفيذ أوامره بغض النظر عن نتائجها فقط لأنه يوجد حديث شريف يحض على طاعة الأمير والنهي عن معصيته لأن طاعته من طاعة الرسول, وفي حالة ما كان الأمير يخالف الشريعة, هل وقتها ستصح معارضته مع وجود الحديث سالف الذكر ؟ بالطبع إنها معضلة سيعاني منها من سيلتزمون بما جاء في الوثيقة, والتي بطبيعة الحال لن تصمد طويلاً أمام كم التناقضات التي أوردناها وستتسبب مستقبلاً في ظهور الإختلافات والإنشقاقات بين الجماعات الجهادية لتظهر من جديد جماعات تتبنى الفكر السلفي الجهادي التكفيري بناءاً على هجرتهم لما جاء في الوثيقة, ونعود من جديد لتكرار نفس التجربة الأليمة وكأن شيئاً لم يكن.

فهل تنتبه عقولنا لما بين السطور وما جاء متخفياً في عباءة المراجعات تحت ستار قبول الآخر ونبذ العنف وإلغاء التكفير ؟ هل نعير تلك الملاحظات الإنتباه ؟ هل نضع في حسباننا أنهم لا يزالون يطلقون على الآخر لفظ الكافر ولايزالون مصرون على عدم البدء بالسلام لغير المسلم وأنهم ينتظرون التمكين لإعلان الحروب وينتظرون القوة لفرض الأفكار بالإرغام مرة أخرى ؟ أرجو أن تنفتح أعيننا على السلبيات ولا ننخدع بالإيجابيات قبل فوات الآوان.

الأربعاء، ١٤ نوفمبر ٢٠٠٧

هل أصبح الأزهر منبر التطرف وضحالة الفكر وتعطيل العقل ؟



هل وصل الحال بالإنسان المسلم أن يسأل أهل الدين في أدق تفاصيل حياته التي لا تحتاج سوى إلى قليل من العقل وبعض التدبر وإعمال بسيط للفكر ؟

منذ متى وصل الحال بالمسلمون لتلك الدرجة المخزية من الإتكال وضحالة التفكير وتعطيل العقل ؟ لم تأخذ دار الإفتاء تلك المكانة والأهمية إلا في زماننا هذا, فقد وصلت طلبات الفتاوى اليومية طبقاً لآخر الإحصائيات لألف فتوى كل شهر ! وهو رقم غير مسبوق ولا يعبر إلا عن إنحدار مستوى الوعي الجمعي والتفكير العلمي والمنطق, ومما زاد الطين بلة إنتشار قنوات الإفتاء الدينية الفضائية التي أخذت دورها في توجيه المسلمين كيفما تشاء دون رادع أو وازع, وصارت تلك القنوات منبراً تُنشر فيه أفكار ما أنزل الله بها من سلطان, منها أفكار خرافية غيبية لا تمت لواقعنا العلمي بصلة, ومنها أفكار متشددة تدعو لنبذ الآخر وإحتقاره, ومنها أيضاً من يدعو لطاعة ولي الأمر أياً كانت أفعاله طالما شهد بأن لا إله ألا الله ! ومن نتائج تلك الأفكار الطبيعية إنتشار ثقافة الميتافيزيقيا والتعصب الديني وقبول الأمر الواقع وإحباط أي فرصة للمطالبة برجوع الحقوق لأصحابها أو تعديل الواقع السيء الذي تعيشه الأمه العربية على كل الأصعدة, وإذا إعتبرنا أن لتلك القنوات إتجاه تجاري بالمقام الأول وفكر وهابي صحراوي بالمقام الثاني يبغى الإنتشار, فماذا عن الموقف الرسمي للأزهر ؟

منذ حوالي ستة أشهر صدرت رواية أشبه بالسيرة الذاتية لكاتب شاب إسمه خالد البري, يحكي فيها تجربته مع الجماعات الإسلامية خلال فترة توهجها, وحملت تلك السيرة عنوان (الدنيا أحلى من الجنة), عندما تنتهي من قراءتها تشعر أن التطرف لا مكان له في الأديان السماوية إلا في عقول متحجرة تأبى التفكير وإستخدام العقل, ورغم سمو الرسالة التي يقدمها الكاتب في سيرته وعمق الفكرة والدرس المستفاد من وراء تجربته لكل شاب في مقتبل حياته إلا أننا فوجئنا بمنع الرواية ومصادرتها نهائياً من قبل الأزهر نفسه الذي يدعو للوسطية وينبذ العنف والتطرف, ولم نرى سبب مقنع لمنع الرواية سوى لأن الكاتب يهاجم الإرهاب ومنطق القتل باسم الرب ! وبدلا من أن يقوم الأزهر بتوزيعها في منافذ البيع وينصح بقراءتها حتى يفكر الشباب المتطرف من جديد في دينه, نجده يمنعها في إشارة لدعمه للمتطرفين والداعين للعنف ورفض الآخر, فهل هذه رسالة الأزهر الآن ؟

ومن عجائب الأمور أن نجد أكبر شخصيتين دينيتين في مصر والمدعومان بقوة الإفتاء والسلطة الدينية الممنوحة لهما يتصرفان وكأنهما ضد الشعب المصري بل وضد أي فكر مستنير أو متحضر, فتارة نجد شيخ الأزهر يدعو لجلد الصحفيين بكل جرأة وعنف, وتارة أخرى يخرج المفتي علينا بفتوى أن قتلى الهجرة غير الشرعية ليسوا شهداء, وكأنه إمتلك صك الشهادة يمنحه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء, وطوال عام مضى لم نجد أي تعاطف شعبي ظاهر تجاه شيخ الأزهر أو مفتي الديار المصرية, بل ونجد رد فعلهما على ما يثار حول فتاويهم المرفوضة لا يعبر إلا عن رفضهم الحوار مع من يفتوا لهم, كأنهم يفتون لجهة بعينها وليذهب الشعب للجحيم, ولم ينتظر المفتي كثيراً حتى أكد لنا ما ظنه الناس حين أفتى أن قتلى السيارات يرجع اللوم عليهم وليس على من يقود, وظهرت تلك الفتوى بعد حادثة مقتل سيدة تحت عجلات سيارة الشرطة مباشرة, وكأن المفتي ينتظر أفعال الشرطة والحكومة حتى تخرج فتاويه بما يبررها ويدعم موقفها !

ولنا أن نتساءل, هل وصل حال الإفتاء لدرجة أن نسأل هل غرقى البحر شهداء أم لا ؟ هل اللوم يقع على قائد السيارة أم الضحية ؟ هل من يطلق إشاعة يستحق ثمانون جلدة ؟ كلها أسئلة لا فائدة حقيقية من ورائها, إما لأنها بديهية, أو لأنها لن تقدم ولن تؤخر, ولكننا نوردها هنا لأنها صدرت عن أعلى سلطتين دينيتين في مصر, فماذا عمن يسأل عن أي من الحيوانات سيدخل الجنة وأيها سيدخل النار ؟ أو من يتساءل عن مشروعية ذبح الأضاحي بدون تقليم الأظافر ؟ أو الآخر الذي يستفسر عن جواز تنظيف أرضية حمامه بمياه ساخنة حتى لا يزعج أهل الجان فيؤذونه أو يؤذون أسرته ؟ ومن أطرف ما رأيت كان عن مواطن يسأل بكل إهتمام وجدية عن مدى حرمانية إستخدام فرشاة الأسنان بدلاً من السواك ؟

المشكلة ليست في السائل فقط, فقد يقول قائل أن من يفتي في المسائل الشرعية لا يؤخذ بذنب السائل عنها مهما بلغت درجة غرابة الأسئلة, ولكن العجيب أن يرد المسئول عن الفتاوى على تلك الأسئلة التي يستنكرها فيما بعد ! والاولى به في هذه الحالة أن ينبه السائل لأن يستخدم عقله ومنطقه وسيصل وحده للإجابة التي يبغاها, وإذا إستخدم كل عالم دين سلطاته في توجيه الناس للقراءة والبحث بأنفسهم لما وصلنا لتلك الدرجة المتدنية من الإنحدار الثقافي وضحالة الوعي الجمعي.

الاثنين، ٢٩ أكتوبر ٢٠٠٧

العنصرية تحكم مصر


لماذا تحولت مصر من البوتقة التي تنصهر فيها الجنسيات والأعراق والشعوب إلى دولة إقصائية عنصرية يرى شعبها أنه شعب ساميّ ذو دماء زرقاء ووجوه تحيطها هالة التقديس النورانية وأن بقية الشعوب متهمة بإتهامات مختلفة إلى أن يثبت العكس ؟

مآساة أخرى من تراجيديا الواقع المصري المعاصر ترويها وقائع يومية يخجل منها العقل الإنساني الحديث, فقد إستشرت روح الإقصاء ورفض الآخر والعنصرية كأنها المتنفس الوحيد الباقي بعد تزيلنا قائمة الأمم وتخلفنا عن ركب الحضارة ونخر السوس لأعمدة التنوير حتى تهاوت آخذة معها الرُقي والحداثة والتحضر, وبعد ما كانت القاهرة قِبلة المهاجرين ومنارة العلم وواحة العلماء أصبحت تتسم برفض الآخر وتحقيره وإقصاءه, وقد ظهرت تلك الصفات الجديدة في أبهى صورها خلال السنوات الأخيرة, خاصة بعد الهجرة الجماعية للأخوة العراقيين والسودانيين هرباً من ويلات الحرب وعذابات الفتن الدينية والسياسية, وإستقرت الجاليات العراقية في احياء معينة مثل حي السادس من أكتوبر والتجمع الخامس, ومع الإستقرار وتزايد معدلات النزوح والهجرة وتوافر رأس المال ورغبة المهاجرين الجدد في التغلب على كآبة الغربة إفتتحوا سلسلة مطاعم ومخابز ومحال تجارية متععدة الأغراض لتعويض إشتياقهم للوطن, ولكن هيهات, فقد تربص المصريين لإخوانهم الفارين من الموت وأهواله بشتى صنوف الرفض والإقصاء, وظهرت أقاويل من نوع "إنهم السبب في رفع أسعاد العقارات" أو "لماذا يفرضون علينا ثقافتهم من أطعمة أو لهجات ؟" أو "أبنائنا أولى بفرص العمل التي تتاح لهم", ونسوا أو تناسوا خمسة ملايين مصري إستضافتهم العراق الشقيق ووفر لهم فرص العمل المناسبة وبمرتبات أعانتهم على بناء مستقبلهم ووفرت لهم حياة كريمة في أوطانهم فيما بعد, ونسوا أيضاً معاملة الشعب العراقي بالمحبة والإخاء ودمجهم في الجسد العراقي بإختلاط الدماء والأنساب والتجنس, ورغم إختلافنا مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلا أننا لا نستطيع أن ننكر حمايته للمصريين بقانون أصدره يمنع التعرض لهم وحق الشكوى في أي مخفر شرطة عند إساءة معاملتهم بأي شكل, وعندما لجأ المواطن العراقي البسيط لوطنه الثاني مصر لم يجد سوى نكران الجميل وعبس الوجوه والإتهامات المرسلة, ولم يختلف الحال كثيراً بالنسبة للمواطن السوداني, فلاقى من العنصرية ضد بشرته مالم يلاقية أجداده من المستعمر الأجنبي وتجار العبيد الأمريكيين, وصار تجول السوداني في شوارع القاهرة بمثابة مسيرة عذاب يسوعية يتفنن فيها الشباب المصري بإذاقته كافة صنوف السخرية من بشرتة ولغته وعاداته وتقاليده, وأصبح السوداني مرادف لسوء السلوك وضحالة المكانة والإستعداء الغير مبرر, حتى تجارة الشنطة وبضائع الارصفة التي يتكسبون منها قوت يومهم صارت هدفاً للمضايقات ووسيلة قهر وتعذيب تضاف لقائمة المعاملة السيئة, وليس ببعيد ما حدث في ميدان مصطفى محمود لمجموعة اللاجئين السودانيين الذين إعترضوا وإعتصموا إحتجاجاً على المعاملة الإنسانية التي لاقوها من النظام والشعب المصري معاً, وإذا تناولنا بالتحليل أسباب تلك الظاهرة الجديدة على مجتمعنا ليس تجاه الآخر الخارجي, ولكن أيضاً للآخر الداخلي, سنجد أنها تنحصر في عدة أسباب أدت لتفشيها بتلك الصورة المخجلة لتاريخ وعراقة وسعة صدر مصر على مر آلاف السنين :

1 – شعور المواطن المصري بالمهانة الدائمة داخل دولتة عن طريق النظام الحكومي من شرطة وموظفين أو بسبب التقسيم الطبقي ذو التفاوت الرهيب الذي قلب المعايير وجعل السيطرة والقوة والإستحواذ على الفرص في يد فئة لا تتعدى ال 10% في مقابل أغلبية منسحقة تحت نير الفقر تعاني ويلات الإضطهاد والتفرقة وضياع الأحلام والإحباط واليأس والإكتئاب, أما خارج دولة فيعاني المصري من سوء المعاملة والعنصرية والإهمال والإستهانة سواء من جانب الشعب المستضيف إذا كان عربياً شقيقاً أو من سفاراته في دول العالم المختلفة, ولولا هوان المصري على حكومته ما عاملته شعوب الأرض وخاصة الخليجية منها هذه المعاملة الغير كريمة على الإطلاق, كل تلك العوامل أدت في النهاية لأن يعامل المصري الأجنبي في دولته بنفس القدر من الكراهية والإستعلاء الذي يعامل به داخلها وخارجها, كذلك وجدها فرصة سانحة للرفع من شأنه الذي تحقّر كثيراً من أبناء وطنه قبل أبناء الأوطان الأخرى.

2 – وجود الأجنبي في مصر فرصة لتعليق كافة مشاكل الشعب المصري وحكومته سواء إقتصادية أو إجتماعية على شماعة "إنها أخطاء الغير وليست أخطائنا", وتتجلى تلك الظاهرة بوضوح في أزمة العقارات الأخيرة, فبدلاً من توجية الإتهامات نحو الشركات التي إحتكرت الأسمنت أو صناعة الحديد التي تحتكرها شركة بعينها مما أدى إلى رفع سعر كلاً من المنتجين إرتفاعات متتالية ومتصاعدة أثقلت كاهل السوق العقاري وضاعفت من أسعار الشقق والعقارات إتجهت الإتهامات دون أي أدلة على اللاجئين العراقيين الذين يُتَهمون بأنهم السبب الرئيسي في تلك الإرتفاعات بقدرتهم على الشراء بأسعار أعلى من المشتري المصري, وينسى أصحاب الإتهامات المرسلة أن تركز الشراء كان في عدة أحياء قاهرية بعينها وليس على مستوى الجمهورية بأكملها, وهو ما قد يرفع الأسعار في تلك المناطق فقط وليس على السوق العقاري المصري بأكمله.

3 – حالة رفض الآخر الناتجة عن الجهل بأبسط أصول الديموقراطية والحرية المدنية وحقوق الإنسان, وهي نتيجة طبيعية لتعليم سيء وغياب ديموقراطي في الحياة السياسية وتطرف ديني يلغي الآخر وينتهز أي فرصة للإقصاء والتفرقة والتكفير في أحيان كثيرة, حالة رفض الآخر لا تقف عند حد الآخر الأجنبي, ولكنها تمتد للآخر الديني والمذهبي والطائفي, وهو ما حدث بالضبط مع الشيعة العراقيين والمسيحيين السودانيين, وهو أيضاً ما زاد من معاناتهم وتزايد معدلات كراهياتهم, وهو ما يذكّرني بصديق كان يعاني دوماً من مشكلة لا حل لها, فإلى جانب كونه مسيحي الديانة فهو شيوعي الإتجاه أيضاً, ودوماً كان يردد مقولة أنه مكروه على جميع الأصعدة سواء من الناحية الدينية أو السياسية, ولو تحلى المجتمع ببعض الصفات الديموقراطية الإنسانية من قبول للآخر والإعتراف به بدلاً من سياسة قتل المرتد وتدمير المعارضة وتخوين من يقول رأياً مخالفاً لما وصلنا لهذا الدرك العميق من الكراهية والبغض والفردية العقيمة.

الخميس، ١٨ أكتوبر ٢٠٠٧

اذكى نظام حكم على وجه الارض



دأب المصريين خلال ربع قرن مضى على محاولة الوصول لشكل معين لنظام الحكم الذى يسيطر على مقدرات حياتهم ويتحكم فى صغائر امورهم ودقائق مصائرهم, ودأب النظام المصرى الحاكم اكثر فى اخفاء معالمه وطمس ملامحه مستخدما طرق ووسائل ادت لاعتباره من اذكى نظم الحكم الشمولية الديكتاتورية على وجه الارض, وعن طريق تلك الوسائل سيطر نظام الحكم على المصريين واعطى صورة مشرقة لنفسه فى المجتمع الدولى وكمم افواه المسئولين وذوى الخبرة واعطى ظهره لكل شريف ونظيف وقادر على العطاء لبلده مفسحا الطريق للفشلة ومعدومى الكفاءة والمزورين والبلطجية واعتبارهم من خلال وسائل اعلامه الافضل والاكفأ والاقدر على القيادة والمسئولية.

وعلى مدى 26 سنة برع نظام الحكم فى استخدام وسائل وطرق شتى مكنته السيطرة على الشارع المصرى بامتياز, وصدّرت صورة ديموقراطية زائفة لاوروبا والولايات المتحدة الامريكية عن طريق واجهات تشبه واجهات الديكور السينمائية الكرتونية, وسنستعرض فيما يلى بعض تلك الديكورات والوسائل والطرق التى اُعتبر بفضلها نظام ذكى بارع فى فنون المراوغة والخداع والتزييف ...

1 – سياسة العصا والجزرة :

كيف تحيّد مسئول تحتاج سكوتة وفى نفس الوقت تتقى شرة حتى بعد خروجة من منصبة ؟

سياسة العصا والجزرة السياسة الامثل والانجع فى والتى ثبت نجاحها الساحق فى الاغراء بذهب المعز او التلويح بسيفه, وتنطبق تلك السياسة على رجال الحكم والحكومة من ناحية وعلى الادباء والمثقفين والعلماء والفنانين من ناحية اخرى, فكم رأينا من قيادات حكومية تدافع عن الباطل بالباطل, وتجمّل وجه النظام باسوأ المساحيق واردأها مفعولا, انها نفس السياسة التى نرى اّثارها على مسئول سكت دهرا ونطق كفرا, عندما قال"ينبغى ان يترك قدامى قيادات الحزب الوطنى اماكنهم لتجديد دماء الحزب." مع العلم ان قائل تلك العبارة هو السيد صفوت الشريف, ولا داعى للتعليق, وقيل ويقال وسيظل يقال لحين, ان كل مسئول فى الحكومة او الحزب لديه من السيئات والفساد ما يكفى لفضحه وتجريسه وتشويهه اذا ما فكر مجرد تفكير فى الخروج عن سياسات الجهة التى يتبعها, اما عن المثقفين المعاصرين, فيتفاخر وزير الثقافة ( فاروق حسنى ) بكونه نجح فى ضمهم لحظيرته الثقافية دون معارض يجرؤ على توجيه قلمه الادبى فى وجه وزارته, ولطالما سيطر وزير الاعلام السابق صفوت الشريف على الفنانين بشكل شبه مطلق لا خروج فيه عن النص, والوسيلة معروفة, لدينا العصا ولدينا الجزرة, فايهما تختار عزيزى ؟

2 – ديكور ديموقراطى متقن :

تخيل دولة بها برلمان قوى, واحزاب تعدت العشرون حزبا, ومجلس حقوق انسان, وصحافة حرة, وانتخابات رئاسية متعددة, وانتخابات مجلس شعب وشورى ومحليات نزيهة, دولة بها كل تلك المقومات الديموقراطية وتوصف فى النهاية بالديكتاتورية ؟ مستحيل ! ديكور ديموقراطى غاية فى الاتقان, يستحق التحية, برلمان قوى بسيطرة الحزب الوطنى عليه سيطرة كاملة ( ليس شبه كامله حتى ), احزاب لا تقوى على رفع صوتها فوق صوت امين شرطة فى مباحث امن الدولة, مجلس حقوق انسان يتغاضى عن التعذيب وبلطجة وزارة الداخلية ويهتم فقط بالبدلات والمكافاّت والتلميع الاعلامى, صحافة حرة على شرط, الا تقترب من الرئيس, وعائلته, وحزبه, ورجال حزبه, واصدقاء رجال حزبه, والرئيس الامريكى !, انتخابات رئاسية متعددة, بالطبع متعددة, لك الحق فى الاختيار بين الرئيس, او الرئيس, او الرئيس, او بابن الرئيس بعد عمر طويل, اما عن انتخابات مجلس الشعب والشورى والمحليات فحدث ولا حرج, ضحايا وبلطجية وارهاب ومنع انتخاب واضطهاد ورشاوى بالجملة, والاهم, لا لتدخل القوى الاجنبية ممثلة فى الرقابة الدولية على الانتخابات لان ذلك يعد تدخلا فى الشئون الداخلية المصرية, عكس تدخل الولايات المتحدة فى رسم السياسة الخارجية المصرية’ لان ذلك يعد تعاونا مع دولة صديقة لا اكثر, انها الخدعة الاكبر التى يمارسها باحتراف النظام المصرى العبقرى, صورة وردية للخارج, واسود من فحم الكوك فى الداخل ...

3 - استخدام الدين فى السياسة :

الخدعة الاقدم فى التاريخ, ان تحكم باسم الخالق عز وجل, ان تستخدم الكتب المقدسة فى تبرير افعالك الدنيئة التى يتبرأ منها اى دين, ان تخدّر الشعب كلما سنحت فرصة من بعيد لان ينشغل بالسياسة ويطالب بحقوقه المهضومة بامور دينية ما انزل الله بها من سلطان, ان تستدعى الشيوخ الاجلاء المسئولين عن الحياة الدينية فى مصر ليفتوا مثلا ب ( كاتم الشهادة اّثم قلبه ) او( طاعة الحاكم واجبة طالما شهد ان لا اله الا الله ), ولا يجروؤن باى حال من الاحوال على الافتاء بان تعذيب الانسان لاخيه اثم, او ان تزوير الشهادة حرام, او ان ظلم الحاكم مفسدة للدولة, او ان الرشوة والواسطة والفساد المالى والادارى اّفة تفسد القلوب والعقول وفعلها يدخل تحت اطار الجريمة, والانكى والاكثر مدعاة للسخرية ان تعلن الدولة للمجتمع الدولى انها دولة علمانية لا تخلط الدين بالسياسة وفى نفس الوقت تزايد على التيار الاسلامى فى تطرفهم واستخدامهم للفتاوى لصالحهم حتى فى قضية مثل الحجاب, عندما ثار اعضاء الحزب الوطنى على وزير الثقافة بسبب تصريحاته بشأن الحجاب بصورة اكبر واقوى واعلى صوتا من نواب الاخوان المعروف موقفهم مسبقا من تلك القضية, تظهر الحكومة دوما ممسكة فى احدى يديها بالمسبحة المطعمة بفضائل الدين وحكمته, فيما تمسك فى اليد الاخرى بمفاتيح خزائن الدولة الجاهزة دوما للسلب والنهب والهرب للخارج فور اتمام العملية.

4 – قضاء مستقل صوريا :

يتشدق اعلام النظام المصرى دوما بقضاءه المستقل عن السلطة التنفيذية بكل فخر واعتزاز, يطالب رجال القضاء انفسهم باستقلاله وبيان تبعيته للسلطة التنفيذية بالقوانين والافعال, فيرد النظام المصرى بكل عنجهية (القضاء المصرى قضاء مستقل تماما), يسجن ايمن نور بحكم سياسى, يسجن خمس روؤساء تحرير بحكم سياسى, يتحكم وزير العدل فى القضاة وناديهم, يهين رئيس مجلس الدولة بتشبيه رهافة روح الرجل عندما بكى تأثرا بزميله الذى رفض الوزير علاجه بانه يبكى مثل الفنانة الراحلة امينة رزق, يستمر اعارة رجال القضاء للعمل كمستشارين, يستمر الحصار المالى على ناديهم الموقر, ومع ذلك, القضاء المصرى مستقل, تلك التصريحات التى تبرز مدى استلالية القضاء هى نفسها التى تستفز القضاة اكثر ليعلنوا ان القضاء غير مستقل ويطالبوا باستقلاله, ويستمر النزال والسجال بين القضاء ووزارة العدل والنظام, وتستمر الصورة الوردية عن استقلال القضاء المصرى تصدّر للخارج, ودوما الخاسر الشعب المصرى المهضوم حقه.

5 – وسيلة الفقر والجهل تبررغاية البقاء :

نظرية المؤامرة الازلية تقول ان النظام يتعمد افقار وتجهيل الشعب حتى يظل مسيطرا عليه اطول فترة ممكنه, ويستشهد اصحاب تلك النظرية باصرار النظام على تثبيت نسبة الامية 52%, وزيادة معدل ارتفاع الاسعار عن الاجور, وتدهور التعليم لدرجة ان كثير من الطلاب الجامعيون لا يستطيعون كتابة جملة واحدة دون اخطاء "املائية" مخجلة, وتفشى فكرة كره العلم والثقافة والمساعدة على تحقيرهم بابرازهم بمظهر المجانين او المهاويس فى الاعلام الحكومى حتى ينفر منهم الشعب ويستمر على جهله معتقدا ان الجهل نعمه, تلك الاسباب لم تاتى من فراغ, هى نتاج عقود من التجهيل واحتقار العلم وازدراء المعرفة والسخرية من الثقافة والمثقفين والاعلاء من الفكر الدينى الخرافى الغيبى الذى لا يصلح اطلاقا لعصرنا الحالى الذى يفرض علينا مجاراته بالعلم والبحث العلمى الصارم وليس بكتب القدماء وفتاوى شرب بول الابل وارضاع الكبير, والاسوا ان الدولة قضت تماما على اى تواجد سياسى او ثقافى داخل المؤسسات التعليمية, وهو ما ادى لتغييب عقول الطلبة تماما وتوجههم لكل ما يشغل وقتهم دون معرفه حقيقية, اما الطامة الكبرى, فتتمثل فى تحويل التعليم من تجريب واستنباط واستنتاج وفحص ومشاهدة الى حفظ وصم وقىء معلومات وغش متفشى ورشاوى مقننة ودروس خصوصية تبتلع مليارات سنويا وبابطرة مليارديرات يعرفون من اين تؤكل كتف الامتحانات ومن اين تؤكل جيوب اولياء الامور, تلك الآفة التى انتشرت وبضراوة فى المؤسسة التعليمية قضت تماما على البحث العلمى وانهت قدرة الطالب على التخيل واعمال العقل واعلت من شأن الاستسهال وجمود الفكر والتدنى بالوعى لدرجة الانحطاط, وهو المطلوب كما يرى اصحاب نظرية المؤامرة, فكلما توقف الخيل وتدنى الوعى, كلما زادت السيطرة وغابت المطالبة بالحقوق وانتشر الخنوع وتفشى النفاق, والاسوأ انه باهمال التعليم وتعمد تجاهل المتفوقين, بل وعقابهم على تفوقهم كما حدث مع عبد الحميد شتا, الشاب المتفوق الحاصل على المركز الاول على خريجى دفعته من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الذى انتحر لان وزارة الخارجية رفضت تعيينه نظرا لسوء حالته الاجتماعية, وهو ما يعود بنا لنقطة الفقر مره اخرى, فالاهالى يعتقدون انهم اذا ساعدوا ابنائهم على التفوق فان هذا سيؤدى بالضرورة لتفوقهم العملى, لكن الذى يحدث العكس تماما, فيضيع امل الاسرة, وينضم الشاب لطابور العاطلين مع زملائه الغير متفوقين وانصاف المتعلمين, وتزداد الاسرة فقرا, ويزداد الاحباط والياس والمعاناة, فتنشغل الاسر بمصائبها ويتركون اصل المصائب بلا حساب ولا عقاب, اذا كان معك صندوق به كتاكيت واردت اطلاقها, فلن تتمكن من تجميعها مرة اخرى, اما اذا رججت الصندوق جيدا ثم اطلقتها, ستجدهم دائخين مترنحين ويسهل السيطرة عليهم, نصيحة قدمها الاب للابن.

6 – تقديس رموز الحزب الحاكم :

لم تستخدم دولة حديثة مفهوم خلط النظام بالدولة كما استخدمته مصر, هنا الدولة الوحيدة التى اذا اسأت فيها لشخصية حزبية او حكومية ايا كانت تُتهم انك تسىء لسمعة مصر, دولة تختصر تاريخها وعراقتها في شخصيات يتضح بعد حين فسادها وديكتاتوريتها وسواد تاريخها, فإذا رفعت دعوى على وزير ما بأنه السبب في سرطنة إنتاجنا الزراعي يتم إتهامك بالطعن في شرف مصر ويُمنح هذا الوزير وسام من رئيس الجمهورية تقديراً لجهوده وعناداً في ضحاياه ومن كشفوا جرائمه, وإذا أوضحت التقارير والمستندات فساد وزير إسكان سابق بوضوح وبلا مواربة, يتم تكريمه بل وحبس الصحفيين الذين عانوا الامرين في سبيل كشف فساده والحفاظ على أموال الدولة وممتلكات الشعب, وهي رسالة أدت مفعولها على أكمل وجه, وصار نقد الوزراء و(رموز الحكم) كالخوض في في حديقة أشواك غير مأمون عواقب إقتحامها.

7 – الشعارات الزائفة هي الحل :

كم مرة سمعنا العبارة الخالدة (أزهى عصور الديموقراطية) من خالد الذكر (مع الإعتذار للزعيم عبد الناصر) صفوت الشريف ؟ متى آخر مرة صدمت طبلة أذنك عبارة (لم يقصف في عهده قلم ولم تغلق في حكمه جريدة) ؟ كيف وجدت طريقة للهرب من العبارة المبتذلة (إهتمامنا الأول والأخير بمحدودي الدخل) ؟ هل بحثت يوماً عن (التنمية والرخاء والرفاهية قادمون بعد الطفرة الإقتصادية الهائلة في الفترة الأخيرة) ووجدتهم ؟ إنها حبوب المسكنات التي بدونها يغلي البسطاء ويثورون لو لم تطمئنهم بها الدولة من وقت لآخر, ورغم أن المواطن المصري البسيط يعلم تمام العلم أن من يقولها نفسه لا يصدقها, فهو يطمئن نفسه في النهاية أن الحكومة (بالتأكيد) تعرف أفضل منه ويهمها في النهاية مصلحته وهم أعلم بشئون حكمهم, تلك الشعارات بالتحديد تعد علامة بارزة في نظام الحكم المباركي, يستعملها الحاشية وأعمدة النظام من وقت لآخر رداً على من يحاولون تصحيح الأوضاع وفضح الممارسات الديكتاتورية, وهم يستخدمونها على طريقة رداء السلطان الذي لا يراه أحد, وعندما يبرز الطفل الصغير الذي يقول بكل شجاعة أن السلطان عاري تماما, يُتهم بأنه أعمى العين والقلب ولا يرى بهاء وعظمة الزى السلطاني الفريد.

حزب الإخوان–كيف تتوازن سلطات الدولة المختلفة مع لجنة ظل الله على الارض ؟


كثيرون هم من إعتقدوا أن الأخوان تطوروا فكرياً وتقدموا تنظيمياً وتهيئوا للحياة المدنية الديموقراطية بكل ما تعنيها من معانٍ سامية وبكل ما تحملها من مسئوليات وطنية وتقبل للآخر وإلغاء كامل للدوجما السياسية, ولكن هيهات, فقد أظهر البرنامج الحزبي للأخوان نوع جديد من الديموقراطية لم نشهده من قبل, ديموقراطية تعتمد بشكل شبه كامل على مجلس فقهاء ديني منتخب بعناية من قبل الهيئة الدينية نفسها ! له الحق في مراجعة السلطة التشريعية في كافة القوانين التي تناقشها لتحديد ما إذا كانت ملائمة للشريعة الإسلامية أم لا ؟ بل وله الحق أيضاً في مراجعة القرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية والتي تكون لها قوة القانون في حال تعطل السلطة التشريعية, ولا يكتفي الإخوان المسلمون بتلك الديموقراطية الدينية الجديدة, بل ويضعون علماء التخصصات الدنيوية (هكذا أسموهم) في مكانة مستشارين ليس أكثر للهيئة الدينية الحاكمة, وهو بتلك الملحوظة يضع كل أدوات العلم بعد الرأي الديني الذي يأخذ المكانة الأعلى فى الحكومة الأخوانية الديموقراطية المدنية !

"تطبق مرجعية الشريعة الإسلا مية بالرؤية التي تتوافق عليها الأمة من خلال الأغلبية
البرلمانية في السلطة التشريعية المنتخبة انتخابًا حرًا بنزاهة وشفافية حقيقية دون تدليس ولا
تزوير ولا إكراه بالتدخل الأمني المباشر أو المستتر ، والتي تتم تحت رقابة المؤسسات المدنية
داخلية وخارجية وبعيدًا عن هيمنة السلطة التنفيذية . ويجب على السلطة التشريعية أن تطلب
رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة على أن تكون منتخبة أيضًا انتخابًا حرًا ومباشرًا من
علماء الدين ومستقلة استقلالا تامًا وحقيقيًا عن السلطة التنفيذية في كل شئونها الفنية والمالية
والإدارية، وي عاونها لجان ومستشارين من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء في سائر
التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحيدتهم وأمانتهم، ويسري ذلك على رئيس الجمهورية
عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية ورأي هذه الهيئة يمثل الرأي
الراجح المتفق مع المسلحة ال عامة في الظروف المحبطة بالموضوع، ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية المستندة إلى نصوص قطعية الثبوت والدلالة القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة، ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب إلى تحقيق المصلحة العامة، قبل قرارها النهائي ويتم، بقانون، تحديد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضاء الهيئة) ص 10) ."

لم يكتفي الإخوان بهيئة دينية عليا حاكمة, وإنما اكملوا فصول الدولة الدينية الصِرفة بجعل المصدر الرئيسي للتشريع هو الشريعة الإسلامية, وهو ما يعطي الهيئة الدينية الحاكمة الحق في تغيير أي مادة يرون أنها لا تتفق مع الشريعة الإسلامية بحكم كونها مخالفة صريحة للدستور, وهو ما يعود بنا للنقطة تحت الصفر, وقد تتغير الحياة القانونية ومن ثمَ السياسية واجتماعية تماماً بناءاً على إستخدام علماء الهيئة ذلك الحق بلا رقيب ولا حسيب !

"إن النص في المادة الثانية من الدستور على أن دين الدولة الإسلام وأن الشريعة الإسلامية
هي المصدر الأساسي للتشريع ، لا يعني سوى التأكيد على مرجعية الشريعة الإسلامية إما
نصًا أو دلالة أو اجتهادًا وأن المخاطب بها هو السلطة التشريعية ورئيس الدولة في كل ما
يصدر عنه من قوانين أو قرارات أو سياسات داخلية وخارجية بحكم شمول وتكامل وأحكام
الشريعة الإسلامية وأن مقصدها العام الأساسي هو تحقيق المصالح المثلى للعباد في المعاش
والمعاد. ولكل ذي مصلحة – أيًا ما كانت – الطعن أمام المحكمة الدستورية على أي من هذه
القوانين والقرارات والسياسات بمخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية المتفق عليها من جمهور
الفقهاء المعاصرين المعتد بآرائهم (ص 10)."

تنتبه الجماعة لمأزق وجود الهيئة الدينية الحاكمة وسلطتها الانهائية, فتقوم بتجميل بعض جوانب البرنامج من عينة :

"الحوار هو السبيل لتحقيق الوفاق الوطنى والثقة بين أبناء الوطن، وتحقيق التوافق أو
الإجماع ركيزة أساسية للشرعية الدستورية للنظام السياسي (ص11(."

وهي محاولة ميئوس منها لدعم الديكور الديموقراطي الذي تحاول الجماعة الظهور به أمام الرأي العام المصري, فكيف يكون الحوار هو السبيل في حين أن من يحاورني يدّعي أنه يملك الحقيقة المطلقة ويتمسك بنصوص لا مجال للجدل ولا النقاش بشأنها ؟ إنها الصفة الملازمة للدولة الدينية العتيدة, انهيار الحوار وسيادة المطلق وإستبداد الحكم, هل يستطيع أن يقوم حزب يعارض الإرادة الآلهية التي يمثلها حزب الاخوان ؟ من يستطيع أن يعدّل في الشريعة الإسلامية أو يلغي المادة الثانية تماماً ؟ أين الرأي المخالف لرأي من يمثل الكلمة الآلهية ؟ ماذا لو نجح حزب يساري أو شيوعي أو ليبرالي في الإنتخابات ونجح في إزاحة الحزب الناطق بإسم السماء, هل ستدعه القوى الثيوقراطية يحكم بغير شرع الله ؟

ومن المعروف أن من أبسط دعائم الديموقراطية الحديثة الفصل بين السلطات, وبما أن الإخوان يحاولون بكل السُبل تجميل برنامجهم الديني ببعض الرتوش الليبرالية, فقد انتبهوا لوضع تلك الجزئية التى تقول :

"استقلال وتوازن سلطات الدولة وتكامل مؤسساتها مع مؤسسات المجتمع المدنى، يمثل
السياسة الرئيسية التى تحقق استقرار الدولة".

كيف تتوازن سلطات الدولة المختلفة في وجود سلطة فوقية مانحة مانعة, بإمكانها تعطيل القوانين وشل أي حراك سياسي قانوني قد ينشأ من تفاعل السلطات الثلاثة المختلفة ؟ يدّعي واضع البرنامج الإخواني المجهول أن بإمكانه جمع التضاد وطرح قضايا لا يكن التوفيق بينها وضرب اكثر من عصفور بحجر وقسمة نظام الحكم لنصفين كالماء والزيت !

معضلة الإخوان الحقيقية أنهم يريدون تصدير عدة صور للمجتمع المصري والدولي لا تتوافق مع بعضها البعض, فهم الجماعة الديموقراطية المدنية التي تؤمن بحرية الرأي والتعبير وتتقبل الآخر وتحتوية ولا ترضى بغير سيادة القانون والدستور بديلاً, وفي نفس الوقت, هي الجماعة التي تتولى حماية الدين الإسلامي ولا تتنازل عن سيادة المقدس ولاترضى بولاية المرأة وغير المسلم وترى أن رأي فقهاء وعلماء الدين هو الأرجح والأعلم وتخلط الديموقراطية بالشورى رغم الفارق الضخم بينهما, ومع أن كثير من الأصوات الأزهرية والأخوانية ترى أن الحكم بالديموقراطية هو تقليد للغرب مرفوض وتخلي عن الهوية العربية الإسلامية غير مقبول بالمرة, إلا أن الجماعة ترى أن الديموقراطية هي نظام الحكم الأمثل من الناحية المدنية وفي نفس الوقت الشورى هي نظام الحكم الآلهي الواجب إتباعه في النواحي التشريعية والقانونية ! وبالطبع النتيجة معروفة, لن يرضى السلفيين والمتشددين عن الشورى بديلاً ولن يرضى المجتمع الدولي والمثقفين والسياسيين المصريين عن الديموقراطية المدنية نظام حكم آخر يحافظ على الحريات ويحترم الآخر ولا يتكلم بإسم الله.

" دولة تقوم على مبدأ المواطنة ...
مصر دولة لكل المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق
وواجبات متساوية، يكفلها القانون وفق مبدأى المساواة وتكافؤ الفرص.
ونعتبر المواطنة هي القاعدة التى تنطلق عنها المطالبة بالديمقراطية، ليس بغرض تداول
السلطة فحسب، بل بغرض ممارسة الديمقراطية، المتجاهل لمبدأ الأغلبية (ص12("

كيف تستوي المواطنة مع التمييز الديني ؟ كيف تستوي المساواة بين مختلف طوائف الشعب مع لجنة دينية إسلامية عليا تتولى شئون الحكم ؟ أين المواطنة مع عدم إمكانية تولي المرأة أو أى مواطن لا يدين بالإسلام منصب رئيس الدولة ؟ السبب الرئيسي لعدم تولي رئيس غير مسلم الحكم أنه لن يستطيع أن يحكم بشرع الإسلام كونه غير مسلم, ولكن السؤال هنا, لماذا من الاساس الحكم بالدين إذا كانت الدولة ليست مسلمة 100% ؟ وإذا حكمنا بالدين فقط, أين هي تلك الدولة المدنية الديموقراطية التي تؤمن بإحتواء الآخر ولا ترفضه في حين أنها تحكم مواطنيها بشريعة دين لا يدينون به ؟

"إن عدم تحديد شكل معين للشورى مع القواعد الإسلامية المقررة لتحقيق مصلحة العباد والبلاد يوجب علينا أن نأخذ بأحسن ما وصلت إليه المجتمعات الإنسانية في ممارستها الديمقراطية فى عصرنا الراهن من أشكال وقواعد وطرق إجرائية وفنية لتنظيم استخلاص الإجماع وتحسين ممارسة السلطة وضمان تداولها سلميًا وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية فيها وتفعيل المراقبة عليها )(ص14("

إذاً نحن متفقين على أنه لا يمكن تشكيل نظام حكم كامل بالشورى فقط ويجوز الأخذ من نظم الحكم الديموقراطية ! فإذا لم نستطع تطبيق نظام حكم ديني كامل في عصرنا الحالي, فكيف نُصر على إستخدام ما نريده من نظام الحكم الإسلامي ونأخذ الباقي من نظم الحكم التي يعتبرها متشددي الجماعة والأزهر نظم كافرة وضعية لا ترقى للنظم الآلهية ؟ ما يحدث هو أن الجماعة (ترقّع) نظام حكم بالتفصيل على مزاجها الشخصي, ترضي به المتشددين والمسلمين البسطاء, وفي نفس الوقت تكسب ود الغرب والسياسيين والمثقفين المصريين, والترقيع بتلك الطريقة سيؤدي في النهاية للتخبط والفوضى إلى أن نصل لسيادة احدهما على الآخر, وفي تلك الحالة تحديداً سيسود التشدد على التسامح, والتمييز على المساواة, والتفرقة على المواطنة, وظل الله على الارض على مجلس الشعب, وهو ما لا نرضاه لمصر ولا لشعبها.

فهل حان الوقت لمواجهة من يريدونها فتنة طائفية ويتمنون العودة لديكتاتورية الحكم الديني ؟